تقرير تحليلي

عام على التسوية في الجنوب السوري ماذا حقّقت وأي مستقبل ينتظرها؟

تمهيد
تمكّنت قوات النظام السوري مدعومة بالقوات الروسية من إنهاء العمليات القتالية في كامل الجنوب السوري يوم 31 تموز/يوليو 2018. 
وتخضع هذه المناطق منذ ذلك الحين إلى عدة اتفاقيات تسوية مناطقية، حيث وقّعت كل منطقة بفصائلها المسلحة وفعالياتها الشعبية اتفاقيات مستقلة مع الجانب الروسي. وأسست هذه الاتفاقيات إلى حالات مختلفة من السيطرة، إذ خضعت بعض المناطق بالكامل لسيطرة النظام، فيما بقيت مناطق أخرى تحت سيطرة روسية، وأخرى تحت السيطرة الإيرانية.
وعلى خلاف اتفاقيات التسوية التي تم التوصل إليها في مناطق أخرى، احتفظت فصائل الجنوب بأسلحتها وهياكلها، بل قام بعض قادتها بالمشاركة في لقاءات خارجية، مروراً بمطار دمشق، وبحماية روسية. 
واتّسمت التطورات التي شهدتها درعا في صيف عام 2018 بالغموض، إذ لم تُكشف بنود معظم اتفاقيات التسوية التي تم توقيعها، كما لم تُكشف الترتيبات الإقليمية التي أدّت لرفع الحماية الأمريكية لمنطقة الجنوب، ولا البنود التي تم التوافق عليها بين روسيا والفاعلين الدوليين والإقليميين المعنيين بالملف، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن.  
وسادت المنطقة منذ ذلك الحين حالة من الاستقرار النسبي، حيث لم تشهد عمليات عسكرية أو أمنية كبرى، لكنها في الوقت نفسه لم تتحوّل إلى حالة مستقرة، إذ استمرّت أعمال الاغتيال وانفجار العبوات الناسفة، إضافة إلى أعمال الاعتقال والقتل خارج نطاق القانون. ويلاحظ أن الشهور الأربعة الأولى من عملية التسوية قد شهدت مستويات أقل من عمليات الاغتيال والاعتقال والتفجير، مقارنة مع الفترة التي تلتها. 
ويدرس هذا التقرير حصاد عام من التسوية في درعا، بأبعادها الأمنية والسياسية والشعبية، وأثر هذه التسوية على الفاعلين المحليين والخارجيين، كما يحاول استقراء مستقبل التسوية هناك. 
 
أولاً: ماذا حققت التسوية للفاعلين خلال عام؟ 
يختلف أثر التطورات الميدانية والسياسية التي شهدتها المنطقة الجنوبية في صيف عام 2018 من فاعل إلى آخر، ولكنها امتازت على العموم بغياب الخسارة أو النصر الكامل لأي طرف، نتيجة للظروف والعوامل التي أحاطت السيطرة على هذه المناطق، والتي تختلف عن ظروف السيطرة على أي منطقة أخرى كانت تحت سيطرة المعارضة. 
السكان المحليين
لم يحصل السكان المحليون في الجنوب السوري على الأمان والاستقرار بعد توقيع اتفاق التسوية، حيث استمرّت أعمال الاعتقال، وخاصة بدعوى ملاحقة المطلوبين للخدمة العسكرية، أو الاعتقال بسبب وجود دعاوى شخصية، وهو اعتقال يستهدف إما ملاحقة المعارضين، أو الابتزاز المالي للميسورين. وتمّت معظم عمليات الاعتقال إما عبر مداهمات للمنازل والمكاتب أو عند نقاط التفتيش وفي الشوارع .
وقد وثق مكتب توثيق الشهداء في درعا اعتقال قوات النظام لـ 634 معتقلاً منذ 1 آب/أغسطس 2018 وحتى 31 تموز/يوليو 2019، تم إطلاق سراح 166 منهم في وقت لاحق، بينما قتل 9 منهم تحت التعذيب في سجون قوات النظام . 
وبالمقابل توقفت أعمال القصف الجوي، وغيرها من الأساليب العنفية التي يمارسها النظام مع المناطق الخارجة عن سيطرته. كما سمح الاستقرار النسبي بعودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها نسبياً.
ودفع منهج النظام في التعامل مع مناطق التسوية إلى عودة الشعارات المناهضة له مع نهاية 2018، على جدران المدارس والمحال التجارية والمرافق العامة في مناطق درعا. وقد سارع النظام إلى إزالة هذه الكتابات، وقام باعتقال عدد من الشبان للاشتباه بارتباطهم بالأخيرة، وطلب من أصحاب المحال التجارية طلاء واجهات محالّهم بالعلم الرسمي، مهدداً المتخلف عن ذلك بالعقوبة والغرامة. 
وفي 22 كانون الأول/ ديسمبر 2018، خرج العشرات من أبناء مدينة درعا، عقب صلاة الجمعة في مظاهرات هي الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاق التسوية طالبت بإسقاط النظام، قرب المسجد العمري، وشارك فيها أعضاء من لجنة التفاوض، وتم رفع شعارات تطالب بالإفراج عن المعتقلين خاصة النساء ورفع المحتجون علم الثورة السورية، وتكررت هذه المظاهرات وارتفعت حدّتها في 10 آذار/ مارس 2019، مع قيام النظام بنصب تمثال لحافظ الأسد في مدينة درعا. 
وفي 16 أيار/ مايو 2019، قام أهالي مدينة الصنمين بقتل ضابط وأسر ثلاثة عناصر من قوات النظام السوري على أوتستراد دمشق - درعا، رداً على عدم إخراج ثلاثة شبان كان قد تم اعتقالهم بعملية أمنية من المدينة قبل شهر، وعلى خلفية ذلك قام النظام بفرض حصار خانق على المدينة، ما دعا الوجهاء إلى إصدار بيان يدعو إلى الخروج بمظاهرات للمطالبة بفك الحصار والتأكيد على رفض تسليم السلاح والمطلوبين. 
وفي 23 نيسان/ أبريل، وقعت اشتباكات عنيفة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة بين الأهالي وقوات النظام على خلفية الملاحقات والمضايقات التي يقوم فيها هذا الأخير. 
وقد أبقى النظام الخدمات العامة عند مستوى منخفض جداً، إذ بقيت المؤسسات التي كانت خارج سيطرة النظام السوري مدمّرة، واكتفى النظام برفع علمه عليها. وقد توقّفت المجالس المحلية التي كانت مدعومة من المنظمات الإنسانية عن تقديم الخدمات ولم يعوّض النظام عملها، ويشمل ذلك ترحيل القمامة والأنقاض وتأهيل البنى التحتية من صيانة شبكات المياه وتأمين الكهرباء أو إصلاحها، وأماكن السكن المدمّرة وأيضاً الخدمات الطبية التي انحصرت في "مشفى إزرع الوطني" ونظيره في درعا، مع إلغاء جميع النقاط الطبية التي كانت تعمل إبّان سيطرة المعارضة على المنطقة. 
وعلى مستوى التنقّل بات المواطن مجبراً على قطع المسافات باتجاه مدينة إزرع أو مدينة درعا، بعيداً عن احتمال تعرّضه للاعتقال على الحواجز .  
 
لجنة التفاوض 
انبثقت اللجنة عن لجنة شكّلتها غرفة العمليات المركزية في الجنوب في 3 تموز/ يوليو 2018، وباتت لاحقاً تحمل اسم "اللجنة المركزية" أو "لجنة مدينة درعا"، وتركّز عملها في مدينة درعا وطفس ومحيطها ومنطقة حوض اليرموك، وتضم في صفوفها قادة سابقين في فصائل المعارضة السورية، وممثلين عن الفعاليات المدنية من وجهاء محليين، مشايخ، حقوقيين، مهندسين وغيرهم. 
وتتولى اللجنة مهمة التواصل والتفاوض مع مكتب الأمن الوطني التابع للنظام السوري ومع مركز حميميم للمصالحة، باعتبار أن روسيا هي الضامن لاتفاق التسوية في الجنوب. وتقوم اللجنة بعدد من المهام منها: 
1. اعتراض محاولات التجنيد الإلزامية والاحتياطية لشباب المحافظة. 
2. اعتراض محاولات إلحاق المنشقين بالقطع العسكرية للنظام. 
3. تسوية أوضاع المطلوبين من السكان المحليين على خلفية التهم الموجّهة إليهم مسبقاً واعتراض محاولات اعتقالهم. 
4. متابعة ملف المعتقلين من أبناء المحافظة ومحاولة إخراجهم. 
وتحظى اللجنة بدعم من وجهاء محافظة درعا وقادة سابقين في المعارضة السورية المدنية والعسكرية، وقد برز ذلك بشكل واضح في 28 حزيران/ يونيو 2019، حينما أصدر هؤلاء بياناً يؤيّدون فيه بشكل كامل جهود ومساعي لجنة التفاوض.
ومنذ توقيع اتفاق المصالحة في الجنوب السوري تعرّض أعضاء اللجنة وقيادات سابقة من المعارضة مدنيين وعسكريين ممن ساهموا في اتفاق التسوية، إلى حملات استهداف واسعة، حيث تعرّض العديد منهم إلى الاغتيال أو الاختطاف أو القتل، وقد استطاع فريق البحث رصد العديد من تلك المحاولات التي نجح بعضها وأخفق الآخر (انظر الملحق رقم -1-). 
ورغم أن بعض تلك الحالات لا يمكن نسبها بالضرورة للنظام السوري، إلا أن الكثير من حالات الاستهداف حملت بشكل واضح توقيع النظام، حيث تم تنفيذها من قبل دوريات تتبع له، أو من قبل حواجزه الثابتة والطيّارة. 
ولم تثنِ البطاقات الأمنية التي منحتها روسيا وبعض أفرع الأمن، لا سيما الجنائي، النظامَ السوري عن ملاحقة المطلوبين لديه، رغم أنه لم يستهدفهم جميعاً. 
وفي منتصف عام 2019، بدأ الإعلان رسمياً عن أسماء المطلوبين عبر تعليق اللوائح على أبواب المساجد والأماكن العامة في عدد من مناطق محافظة درعا، والتي تدعوهم لمراجعة فرع أمن الدولة، لكن الاستجابة كانت شبه معدومة، لأن فصائل التسوية كان لديها تجربة، فسبق أن قامت بإرسال بعض الأشخاص الذين طالب بهم النظام السوري في النصف الثاني من عام 2018 بذريعة الدعاوى الشخصية، وقدّم وعوداً للجنة المركزية بإطلاق سراحهم حال تسوية ملفاتهم ليتبين لاحقاً أنهم قد حُوّلوا إلى أفرع الأمن.
وقد دفع كل ما سبق فصائل التسوية إلى تشكيل مربّعات أمنية في مناطق الجنوب والتهديد بالعصيان المدني ودعم جهود السكان المحليين في الاحتجاجات التي يقومون بها ضد سلطة النظام. 
النظام السوري
منذ توقيع اتفاقيات التسوية في الجنوب السوري تعرّضت مصالح النظام من مراكز أمنية وحواجز أو نقاط تفتيش ثابتة ومتحركة وعربات وقيادات عسكرية وشعب حزبية وغيرها، إلى عدد كبير من عمليات الاستهداف المسلّح التي كان العديد منها ينسب إلى مجموعة تُطلق على نفسها اسم المقاومة الشعبية، في حين سُجّلت أغلب الهجمات الأخرى باسم مجهولين. وقد استطاع فريق البحث من رصد حوالي 50 عملية بين اغتيال أو محاولة اغتيال، وسلب سلاح، واستهداف، ونصب كمائن وغير ذلك(انظر الملحق رقم -2-)
وغالباً ما شكّلت العمليات السابقة ضد النظام السوري إرباكاً كبيراً له، لا سيما فيما يتعلق بالأهداف التي وضعها بعد سيطرته على الجنوب، وهي: 
- فرض سلطة الأجهزة الأمنية على كامل قطاعاته ومناطقه مثلما فعل في مناطق المصالحات الأخرى أي الغوطة الشرقية، والغربية، وجنوب العاصمة وغيرها. ولأجل ذلك قام النظام السوري في 16 نيسان/ أبريل 2019، بتعيين العميد الركن أحمد محمود عوض رئيساً للجنة الأمنية والعسكرية في المنطقة الجنوبية، وفي نهاية حزيران/ يونيو 2019، قام اللواء جميل الحسن القائد السابق لجهاز المخابرات الجوية بزيارة مفاجئة لدرعا، التقى فيها بوفد من مسؤولي عمليات التسوية من مدينتي داعل وابطع، ومن ثم أجرى جولة على الحواجز المتواجدة في المناطق القريبة. وقد عُزل الحسن من منصبه بعد أيام، ولا يُعرف ما إذا كان لعزلهِ صلةٌ بهذه الزيارة أم لا. 
- نزع السلاح من فصائل التسوية ومنعها من الاحتفاظ به. وهذا ما أكّد عليه النظام السوري مراراً خلال المباحثات مع لجنة المصالحة ومجلس أعيان مدينة الصنمين لكن طلبه قوبل بالرفض. علماً أن فصائل رئيسية ما تزال تحتفظ بكافة أسلحتها، وترفض دخول قوات النظام إلى مناطقها، مثل بصرى الشام وطفس وغيرها. 
- إلحاق شباب المحافظة بالقطع العسكرية لأداء الخدمة الإلزامية والاحتياطية.
- فرض سلطة النظام السوري واستعادة هيبته، واتخاذ إجراءات من شأنها تحقيق ذلك مثل اعتقال كل من كان له دور بارز في دعم فصائل المعارضة والهيئات والجهات المدنية المرتبطة بها. 
- إعادة تشكيل الوسطاء المحليين من جديد وهذا يشمل المجالس المحلية ومجالس الأعيان ولجنة التفاوض المركزية؛ لا سيما وأنه تم الاعتماد على الشخصيات القديمة في كثير من الأحيان بعد توقيع اتفاق المصالحة بغرض إقناعهم بجدوى القبول ببنود التسوية وأهمية ذلك في الحفاظ على استقرار وأمن مناطق الجنوب. وهذا ما يُفسّر لجوء النظام إلى اغتيال العديد من قيادات المعارضة السابقة العسكرية والمدنية، الأمر الذي يسهّل عليه إعادة تشكيل الوسطاء المحليين، وقد قام النظام "فرع حزب البعث في درعا" بإقرار تشكيل لجنة مصالحة مركزية نهاية أيار/ مايو 2019، تضم أسماء 43 شخصاً، على أن تنوب عن لجنة التفاوض التي تقودها شخصيات من قيادات المعارضة السابقة، وبطبيعة الحال رفضت لجنة التفاوض التابعة لهذه الأخيرة هذا القرار بشكل قطعي. 
وبالتالي لم يحقق اتفاق المصالحة في الجنوب السوري بعد عام على انقضائه، الأهداف التي كان يعوّل عليها النظام، وبقيت العديد من مناطق محافظة درعا عبارة عن مربّعات أمنية لفصائل التسوية، كما وتتصف العلاقة بين الطرفين بانعدام الثقة ويحاول النظام التغلّب على ذلك من خلال إجراءات تساهم في التخلّص من قيادات المعارضة السابقة وإعادة تشكيل شبكة من الموالين له وممارسة الضغوط الاقتصادية والأمنية باستمرار.
روسيا 
تخضع منطقة التسوية في الجنوب للسيطرة الروسية، وهي من يتولى التفاوض مع إسرائيل والأردن والولايات المتحدة بخصوص ترتيبات ما بعد التسوية. 
ولم يحقق اتفاق التسوية في الجنوب السوري كامل الأهداف التي أرادتها له روسيا، من عدّة نواحٍ وهي: 
- نتائج غير مرضية في تحقيق "فرض الاستقرار العسكري" بعد تجريد الفصائل من سلاحها؛ حيث احتفظ العديد منها بعتاده.
ورغم الجهود التي بذلتها موسكو لإعادة احتكار مؤسسة الجيش للسلاح عبر مبادرات لتشكيل فرق تابعة للفيلق الخامس، لكن النتائج الملموسة كانت مختلفة حيث أخفقت تلك المساعي في ريف درعا الغربي ويتمثل ذلك بقرار حل الفيلق الخامس نهاية أيلول/ سبتمبر 2018 بسبب عدم التزام قيادات فصائل التسوية ووجهاء المناطق بشروط مركز حميميم للمصالحة، الذي أعاد تشكيل قوة تابعة للفيلق مرّة أخرى في شباط/ فبراير 2019، بدون أن تحقق النتائج المرجوّة منها. 
وفي ريف درعا الشرقي لم يعكس نشاط الفيلق الخامس تغيّراً فعلياً عمّا كانت عليه قوات شباب السنة التي تعتبر هي الأساس في هذا التشكيل، فلا الفصائلية انتهت ولا التزمت قيادتها بتنفيذ كامل بنود اتفاق التسوية، لا سيما ما يخص منها ملف الخدمة العسكرية ومحاربة الإرهاب حيث امتنع العديد من عناصر الفصيل عن الانضمام إلى المعارك في الشمال السوري. 
- نتائج غير مرضية في تحقيق "الاستقرار الأمني"
تشهد مناطق التسوية في درعا فوضى أمنية منذ انتقالها من سيطرة المعارضة إلى سيطرة النظام، وهي حالة لم تشهدها بقية مناطق التسويات والمصالحات، مثل الغوطة الشرقية والغربية وجنوب العاصمة والقلمون وغيرها. 
ويُمكن إرجاع السبب في هذه الفوضى إلى انتشار السلاح والتدخل الروسي لمنع النظام من ملاحقة المطلوبين للخدمة والمحاكمات، لكن هناك أسباب أخرى تعزز من ضعف فاعلية تحقيق الاستقرار الأمني، ومنها النشاط الكبير لإيران في المنطقة، وعدم قدرة روسيا على مواجهة ذلك بالقوة الصلبة. 
لكن لا بدّ من القول إن روسيا استفادت من التسوية في جوانب أخرى، مثل استعادة السيطرة العسكرية للنظام السوري على مناطق كانت خارجة عن سيادته الكاملة، وحوّلت ملف الجنوب إلى ورقة سياسية يُمكن لها الاستفادة منها على صعيد المفاوضات مع إسرائيل والولايات المتحدة حول تواجد ونشاط إيران، إذ لم تبدِ موسكو التزاماً كاملاً للوعود التي قدّمتها قبيل الحملة العسكرية للسيطرة على المنطقة في حزيران/ يونيو 2018. 
إيران
تُعدّ إيران من أبرز المستفيدين من اتفاق التسوية في الجنوب، فرغم أن الاتفاق المبدئي الذي أبرم بين الروس ونظرائهم الغربيين والإقليميين بخصوص المنطقة يُلزم موسكو بإبعاد إيران مسافة 80 كم عن الحدود مع الجولان، إلا أَنّها لم تلتزم بهذا الاتفاق، وسمحت لإيران بالعمل بحرية في مناطق قريبة من الحدود، ومنحتها إمكانية العمل المباشر في بعض المناطق، الأمر الذي استغلته طهران في إنشاء مراكزها العسكرية هناك، وتجنيد الشباب، وحتى العمل على نشر التشيّع في بعض المناطق. 
وخلال عام من التسوية، تمكّنت إيران من التمركز في مناطق اللجاة ومزيريب وإزرع ومحيط معبر نصيب، إضافة إلى منطقة "التلول الحمر" في ريف القنيطرة. كما تنشط ميليشيا حزب الله في ريف درعا، وتعمل على تجنيد الشباب في ميليشيا أنشأتها هناك، ويستفيد الشباب الذين ينضمّون إليها من الإعفاء من الخدمة العسكرية في جيش النظام، كما يستفيدون من رواتب مرتفعة نسبياً. 
إسرائيل 
ساعد اتفاق التسوية في الجنوب السوري إسرائيل في تعزيز بعض إجراءات أمن الحدود مثل نشر نقاط مراقبة روسية ودوريات تابعة لها تضمن تخفيض نشاط ومراقبة المجموعات التابعة لإيران في المنطقة، إلى جانب إعادة نشر قوات الأندوف إلى شمال القنيطرة والتي انسحبت من طول خط وقف إطلاق النار مع الجولان المحتل في أيلول/ سبتمبر 2014، نتيجة اشتداد المعارك بين قوات النظام والمعارضة في المنطقة. 
لكن الاتفاق في الواقع لم يحقق الأهداف المأمولة التي وضعتها إسرائيل، لا سيما على مستوى الأمن القومي، حيث لم يتم إبعاد إيران مسافة 80 كم عن الحدود، بل يُمكن القول إن الاتفاق أتاح لإيران فرصة الانتشار في مناطق ريف درعا الغربي وأجزاء ريف القنيطرة الشمالي، وصولاً إلى قاعدة عمليات متقدمة للميليشيات التابعة لها، وزادت من وجودها داخل مؤسسات النظام الأمنية والعسكرية في تلك المناطق، إضافة إلى تأسيسها ميليشيات محلية تدين بالولاء لها. وقد تحوّل الاتفاق إلى ورقة مساومة بيد روسيا. 
 
ثانياً: المستقبل المنظور للجنوب السوري
بمرور عام على توقيع كل اتفاقيات التسوية في الجنوب، دخلت المنطقة في مرحلة من عدم اليقين، نظراً لعدم تجديد هذه الاتفاقيات، وعدم وضوح شكل العلاقة بين هذه المناطق وجهات السيطرة عليها. 
ويحظى البند الخاص بمنح المطلوبين للخدمة العسكرية مهلة عام بأهمية خاصة، إذ أن انتهاء الاتفاقيات يعني تفعيل استدعاء هؤلاء للخدمة، والقبض عليهم في حالة تخلفهم عنها، الأمر الذي انعكس في امتناعهم عن التحرك خارج بلداتهم، وتجنب المرور على حواجز النظام. 
كما تُشكّل قضية المنشقين قضية هامة أيضاً، إذ أن انتهاء الاتفاقيات دون التوصل إلى اتفاق بديل، يفتح المجال أمام اعتقالهم أيضاً. 
ويمكن من خلال المعطيات الحالية توقع ثلاث سيناريوهات ممكنة لمستقبل مناطق التسوية في درعا، وهي كما يلي:
1) تعليق الاتفاق
أي إبقاء الاتفاق معلّقاً بدون تجديد مع تقديم وعود بإمكانية ذلك سواءً لستة أشهر أو لسنة قادمة، وهو ما نقلته لجنة التفاوض فعلاً عن الاجتماع الذي عقدته مع المسؤولين من مكتب الأمن الوطني ومركز حميميم للمصالحة. 
ويحقق هذا الخيار المصالح الروسية في الوقت الراهن للأسباب التالية: 
- انتظار ما قد يؤول إليه اتفاق وقف إطلاق النار في آخر معاقل المعارضة في إدلب، لأنه يؤثر على الآليات التي يُمكن لروسيا والنظام التعامل فيها مع فصائل التسوية جنوباً. 
- تأجيل معالجة الوجود الإيراني في مناطق الجنوب إلى حين التوصل إلى توافقات بين موسكو والعواصم المعنية، وخاصة واشنطن وتل أبيب، حيث يُعتقد أن فصائل التسوية سيكون لها دور في عملية التصعيد ضد الوجود الإيراني في درعا إن تم الاتفاق على إنهاء هذا الوجود. 
2) تجديد الاتفاق 
في هذا السيناريو يتم تجديد اتفاق التسوية في الجنوب السوري لمدّة مؤقتة محددة بستة أشهر. ويمكن أن يتم هذا التجديد ضمن خيارين: 
- اللجوء إلى الصياغة القديمة؛ أي الإبقاء على بنود الاتفاق السابقة، وهذا لا يعني بالضرورة التزام النظام السوري بها، بل قد يستمر العمل بالآلية التي تم اتباعها خلال عام من التسوية. وغالباً ما تتعلق حاجة النظام إلى تجديد الاتفاق حتى في حال عدم الالتزام به، إلى الحفاظ على الحد الأدنى من السيطرة الأمنية على المنطقة، على فرض أنّ إنهاء الاتفاق أو تعليقه قد يرفع من حدّة المخاطر الأمنية على مصالحه ووجوده في المنطقة. 
- اللجوء إلى صياغة جديدة؛ وستخضع البنود الجديدة إلى توازنات المصالح والقوى المحلية والدولية، وهي توازنات ليست لصالح النظام بالضرورة. 
3) إنهاء الاتفاق
أي إخطار لجنة التفاوض بعدم إمكانية تمديد الاتفاق أو التوصل لأيّ صيغة جديدة، وأنه لا بد من حلّ اللجنة واستبدالها بأخرى مع توسيع صلاحياتها في الحكم المحلي، وهذا يعني أنّ مكتب الأمن الوطني أو مركز حميميم للمصالحة أو كلاهما معاً، أصبحا يجدان صعوبة في التعامل مع الحالة الأمنية للمنطقة الجنوبية، وأنّ ذلك يقتضي إعادة ضبطها بالقوة الصلبة ولو كان عبر استخدام الخيار العسكري المحدود والتكتيكات المرتبطة به مثل الحصار، وهي آلية تم اتباعها في الصنمين لكن على نطاق محدود، وتكثيف الحملات الأمنية المعززة وغير ذلك. 
وبطبيعة الحال غالباً ما يتسبب اللجوء إلى هذا الخيار بمخاطر واسعة على صعيد القدرة على الحسم، بمعنى أنّ احتفاظ فصائل التسوية للسلاح الخفيف والمتوسط، وحتى الثقيل بكميات أقل، يجعل النظام السوري أمام احتمال وخيارات المواجهة، وحتى لو كان يستطيع إنهاء الملف لصالحه لكن قد يترتب عليه خسائر كبيرة، هذا عدا عن أنّ مناطق محافظة درعا قد تتحول إلى مربّعات أمنية لفصائل المصالحة وتزداد حالات العصيان المدني، وليس من الواضح إن كان لدى النظام القدرة على تحمّل خسائر كبيرة إضافية. 
ومن ناحية أخرى، فإنّ إنهاء الاتفاق لن يؤثر فقط على المصالح الأمنية للنظام السوري من ناحية رفع مستوى التهديد، بل سوف يشمل وضع مصالح روسيا وإيران أمام مخاطر أكبر، فعلى سبيل المثال تعرّضت دورية للشرطة العسكرية التابعة لروسيا لإطلاق نار في 13 تموز/ يوليو 2019، على الطريق الواصل بين بصرى الشام وبلدة السهوة . 
 
ثالثاً: الملاحق:
المراجع: