تقدير الموقف

مبادرات إعادة اللاجئين ماذا حققت في تسعة أشهر؟

مدخل 
أدّت الانتهاكات التي شهدتها سورية منذ عام 2011، ولا سيما استخدام قوات الجيش وأجهزة الأمن للعنف بأقصى درجاته، إلى مغادرة نحو نصف السوريين لبيوتهم، منهم حوالي 5.6 مليون لاجئ، 65% منهم في تركيا وحدها، فيما يتوزّع بقيتهم في لبنان والأردن والعراق ومصر ودول أخرى(1)
وبطبيعة الحال، فإنّ غالبية اللاجئين يرغبون بالعودة إلى سورية في وقت ما، وإن امتنعوا عن ذلك في الوقت الراهن، نظراً لما يرون أنها ظروف غير ملائمة للعودة، بما يجعل إقامتهم في دول اللجوء –حتى وإن كانت بالحدود المعيشية الدنيا- أكثر أماناً من الوطن الذي خرجوا أو أُخرجوا منه(2) .  
وقد أدّت سيطرة حلفاء النظام على كامل المنطقة الجنوبية في سورية صيف عام 2018، بما في ذلك أحياء العاصمة وريفها، ومحافظات درعا والقنيطرة، إلى إطلاق روسيا وحلفاء النظام في لبنان لمبادرات تهدف لإعادة اللاجئين إلى سورية. وقامت الحكومة الروسية بسلسلة من اللقاءات والزيارات لعواصم مختلفة بغية الترويج لمبادرتها، والتوافق مع الحكومات المعنية حول آليات تنفيذ هذه المبادرة. 
وقد تجاوبت الحكومة اللبنانية بشكل كبير مع المبادرات المطروحة، خاصة وأن واحدة منها تمثل أحد مكوناتها، وأخرى تمثل أحد أجهزتها الأمنية، ولم يقتصر التجاوب على حلفاء النظام في لبنان، إذ تعدّاه إلى كل الأطراف تقريباً، وإن بدرجات مختلفة من الحماسة والقبول. 
كما تجاوبت الحكومة الأردنية بدورها مع المبادرة، وأقرّت آليات تنسيق مع الطرف الروسي بهذا الخصوص، لكنها أكّدت على ضمان طوعية العودة، واستمرت بالتأكيد على ضرورة توفّر الشروط الموضوعية اللازمة لعودة اللاجئين إلى بلادهم. 
ورغم مرور أكثر من تسعة أشهر على انطلاق هذه المبادرات، إلا أن آثارها ما زالت متواضعة على الأرض، حتى لو تم اعتماد الأرقام التي يصدرها مطلقو المبادرات، والتي تزيد بأضعاف عدّة عن تقديرات الأمم المتحدة. 
ويناقش هذا التقرير مسار عودة اللاجئين إلى سورية، وخاصة من الأردن ولبنان، باعتبار أن العائدين من هذين البلدين ينتقلون إلى مناطق سيطرة النظام، فيما يعود معظم اللاجئين في تركيا إلى المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة في الشمال، وبالتالي فإنّ الظروف الموضوعية لعودتهم تختلف بشكل كامل. 
لكن يجدر بالذكر أن بعض العائدين من اللاجئين إلى مناطق سيطرة النظام في سورية خلال الشهور الماضية جاؤوا من دول أوروبية أيضاً، لكن أعدادهم محدودة جداً، بحيث لا تُشير إليها حتى المصادر الروسية. 

الشكل رقم (1)

أعداد اللاجئين السوريين المسجلين حسب بلد اللجوء

أولاً: حجم الظاهرة
تتفاوت أعداد اللاجئين السوريين الذين قاموا بالعودة إلى سورية بشكل كبيراً تبعاً للمصدر الذي يُعلن عن هذه الأعداد، حيث تُقدّم روسيا وحلفاء النظام في لبنان أرقاماً مرتفعة للغاية، فيما تعطي الأمم المتحدة أرقاماً متواضعة للغاية (انظر الشكل رقم -2-)
فقد قدّرت الأمم المتحدة عدد اللاجئين السوريين الذين عادوا إلى سورية من الأردن في الفترة من تموز 2018 وحتى نهاية آذار 2019 بـ (8070) لاجئاً، وهو رقم يقترب كثيراً من تقديرات الحكومة الأردنية، فيما قدّرته الحكومة الروسية بحوالي 87 ألف لاجئ، أي بأكثر من عشرة أضعاف الأرقام التي أعلنتها الأمم المتحدة والحكومة الأردنية! 
وقدرت الأمم المتحدة عدد اللاجئين السوريين الذين عادوا من لبنان في نفس الفترة بـ (14496) لاجئاً، فيما قالت مديرية الأمن العام اللبنانية بأن هذا الرقم وصل إلى 100 ألف، وقدّرته الحكومة الروسية بـ 55 ألفاً! 

الشكل رقم (2)
أعداد اللاجئين العائدين من لبنان والأردن
(من تموز 2018 حتى آذار 2019) بحسب المصدر
(3)

 

وحتى في حالة اعتماد المعطيات الروسية، فإنّ عدد من عاد إلى سورية من اللاجئين المتواجدين في لبنان والأردن خلال تسعة أشهر يبلغ حوالي 142 ألف لاجئ، أي حوالي 2.7% من عدد اللاجئين المسجلين يوم 18/7/2018، وهو يوم إعلان المبادرة الروسية لإعادة اللاجئين(4) ، أي أن أعداد العائدين وفقاً للحكومة الروسية –بغض النظر عن دقتها- تقل عن مستوى التوقعات الآنية التي قدّمتها موسكو عند إطلاق مبادرتها!(5)  .  

الشكل رقم (3)

نسبة عودة اللاجئين منذ تاريخ إعلان المبادرة الروسية (وفقاً للتقديرات الروسية)


لبنان
يستضيف لبنان حوالي 944 ألف لاجئ سوري، يتركّز ثلثهم تقريباً في منطقة البقاع، فيما يتوزّع البقية بين مناطق شمال لبنان وبيروت والجنوب. ووفقاً لسجلات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين(6) ، فقد انخفض عدد اللاجئين في لبنان منذ تموز/يوليو الماضي وحتى الآن بحوالي 31 ألف لاجئ تقريباً (انظر الشكل رقم -4-)
لكن ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن هذا المؤشر لا يُمثّل عدد اللاجئين العائدين، وإن كانوا متضمّنين فيه، إذ يدخل فيه عدد اللاجئين الجدد، وعدد من غادر من اللاجئين إلى دول أخرى. كما أن الأمم المتحدة لا توثّق عودة من لم يُسجَّلوا لديها أصلاً كلاجئين. 
الشكل رقم (4)(7) 
عدد اللاجئين السوريين في لبنان منذ 30/6/2018 وحتى 31/3/2019

 

وقد عاش اللاجئون السوريون في لبنان خلال السنوات السابقة أسوأ تجارب لجوئهم، مقارنة مع كل الدول المضيفة، المجاورة منها وغير المجاورة(8) . فقد منعت الحكومة اللبنانية إقامة مخيمات رسمية للاجئين، على غرار بقية دول اللجوء، بما حد بشكل كبير من إمكانية تقديم الخدمات لهم من قبل المنظمات الدولية والمحلية، كما مارست أجهزة حكومية ضغوطات وانتهاكات كبيرة على اللاجئين، وتغاضت الحكومة عن خطابات وممارسات تدخل ضمن أفعال الكراهية والعنصرية، بل وجاء أبرز هذه الخطابات والممارسات من شخصيات وكيانات تحمل مواقع مسؤولية رفيعة في الدولة. 
وأدّت مجمل الأوضاع المعيشية في لبنان إلى دفع اللاجئين فيها للبحث بكل السبل الممكنة عن بدائل، وخاصة الانتقال إلى تركيا أو أوروبا. الأمر الذي أنعش عصابات التهريب، والتي تعمل على استغلال معاناة اللاجئين. ووفقاً للمعلومات التي حصل عليها مركز جسور للدراسات من مصادر مطلعة في لبنان، فإنّ عصابات التهريب تعمل حتى داخل وحول مكاتب استقبال اللاجئين التابعة لحزب الله ومديرية الأمن العام، ويُحاول أفراد من العصابات جذْبَ اللاجئين الذين يقومون بتسجيل أسمائهم للعودة إلى سورية. 
ويقوم السياسيون اللبنانيون بتهديد الأوروبيين بشكل متواصل بوصول اللاجئين السوريين إليهم، بما يعني عملياً فتح باب النقل غير المشروع إلى أوروبا(9)


الأردن
يستضيف الأردن حوالي 660 ألف لاجئ سوري. ووفقاً لسجلات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد انخفض عدد اللاجئين في الأردن منذ تموز/يوليو الماضي وحتى الآن بحوالي ألف لاجئ فقط(10)
وقد قال وزير الخارجية الأردني منتصف آذار/مارس الماضي إن عدد اللاجئين السوريين الذي عادوا من بلاده إلى سورية لا يتجاوز 15 ألف لاجئ(11).
وكان القائم بأعمال السفارة السورية في العاصمة عمان قد قال في بداية العام إن هناك اتفاقاً بين الهلال الأحمر السوري والحكومة الأردنية والجانب الروسي، على "تأمين نقاط أو مراكز" لتسهيل عودة اللاجئين إلى سوريا، وأن "العودة متاحة لكل من يحمل جواز سفر سوري ساري المفعول عبر المعابر الحدودية، فيما يجري تمديد الجوازات المنتهية لغايات العودة حصرياً لمدة 20 يوماً"، مشيرا إلى إن أكثر من 100 طلب تمديد تتلقاهم السفارة يومياً لهذه الغاية، فيما يتم استصدار وثيقة مرور لمن لديه أي وثيقة سورية ليعود بها خلال مدة محددة، مبيناً أن السفارة تتلقى بين 300-500 طلبًا يومياً لهذه الغاية، وأنه لا يشترط تجديد الجواز لمن يرغب بالعودة، بمن في ذلك فلسطينيي سوريا(12).


ثانياً: لماذا لا يعود اللاجئون؟
رغم الأوضاع المعيشية الصعبة للاجئين، وخاصة في لبنان وفي المخيمات في بقية دول اللجوء، إلا أن قراءة المعطيات الرقمية، حتى تلك التي يُقدمها الطرف الروسي والأطراف اللبنانية المؤيدة للنظام، تُظهر استجابة محدودة وخجولة لدعوات العودة، بما يطرح أسئلة جدية عن الأسباب التي تدفع كل اللاجئين تقريباً لتفضيل الواقع البائس الذي يعيشونه في دول اللجوء، وخاصة في لبنان، على العودة إلى مناطق سيطرة النظام. 
وللإجابة على هذا السؤال، فإنّه ينبغي التأكيد على أن القضايا ذات الطابع الإنساني، كقضية اللجوء، هي ذات أبعاد مركّبة، وبالتالي فإنّه لا يمكن الانتهاء إلى دافع أو دوافع بعينها تصلح لتبرير سلوك المجموعة ككل، إذ يختلف الأمر من شخص أو عائلة إلى أخرى، كلٌّ بحسب ظروفه ومعطياته في سورية وفي دولة اللجوء. 
ومن خلال استعراض التقارير الأممية بهذا الخصوص، والمقابلات التي أجراها مركز جسور للدراسات مع موظفين أممين في الأردن ولبنان، يمكن تحديد الدوافع التالية كأهم الأسباب التي تمنع عودة اللاجئين: 
1) المخاوف الأمنية
تشكّل المخاوف مما قد ترتكبه الأجهزة الأمنية في سورية بعد العودة، خاصة في ظل غياب الضمانات من حلفائه، سبباً رئيسياً من أسباب امتناع اللاجئين عن العودة. وقد قامت الأجهزة الأمنية السورية باعتقال عدد من اللاجئين العائدين إلى سورية، واختفى بعضهم داخل السجون، فيما قُتل آخرون تحت الاعتقال، رغم أن العائدين بشكل طوعي يفترضون بالضرورة عدم وجود مطالبات أمنية بحقّهم. لكن النظام يتعامل مع خروج السوريين ابتداء خارج القطر باعتبارها تهمة تُبرر المحاسبة(13).
وقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قيام قوات النظام السوري باعتقال ما لا يقل عن 1846 شخصاً من العائدين إلى سورية، منذ مطلع عام 2017 وحتى آذار/مارس 2019. كما وثّقت 13 حالة موت تحت التعذيب لعائدين خلال ذات الفترة الزمنية.
2) التدقيق الأمني المسبق 
تبنّى النظام السوري سياسة إصدار "تأشيرات دخول مسبقة" للسوريين الراغبين بالعودة إلى سورية، حيث يقوم الراغبون بالعودة من لبنان بتسجيل أسمائهم لدى مراكز حزب الله أو مراكز مديرية الأمن العام (والتي يُسيطر عليها حلفاء النظام في لبنان)، ثم تُرسل الأسماء إلى دمشق ليتم مراجعتها أمنياً، وإعطاء موافقات الدخول أو رفضها!.
ووفقاً لوزير الشؤون الاجتماعية في لبنان فإنّ النظام السوري وافق، حتى آذار/مارس 2019، على 20% فقط من لوائح السوريين الراغبين بالعودة(14)
3) الأوضاع الاقتصادية والمعيشية
تُشكّل الحالة الاقتصادية التي تعيشها سورية في الوقت الراهن عائقاً أساسياً أمام عودة اللاجئين إلى سورية(15). فقد أدّت معطيات الحرب إلى انهيار معظم قطاعات العمل في سورية، وازدادت نسبة البطالة بشكل كبير، واتّسعت الفجوة الطبقية بصورة فاحشة(16)، إلى غير ذلك من العوامل التي تدفع الشباب في أي بلد –حتى لو لم يعرف تجربة الحرب- إلى البحث عن سُبُلٍ للهجرة منها، لا العودة إليها. 
4) الخدمة الإلزامية
شكّلت الخدمة الإلزامية للذكور في الجيش السوري عبئاً تاريخياً على الشباب، وحاولوا –حتى قبل عام 2011- التملّص منها بكل الوسائل. وقد أدّت العمليات العسكرية التي تشهدها سورية منذ عام 2011 إلى ارتفاع رغبة الشباب بتجنّب الخدمة العسكرية، وهو ما يستوي فيه المؤيدون والمعارضون للنظام على حد سواء تقريبا!.
ومثّل الهروب من الخدمة العسكرية أصلاً دافعاً أساسياً للجوء الكثير من السوريين، بغية الحفاظ على حياة أبنائهم، أو منعهم من المشاركة في أعمال القتل التي نفّذها الجيش السوري خلال السنوات السابقة. وساهم هذا الدافع في تشكيل عصابات داخل مؤسسة النظام، تتولى نقل المطلوبين للخدمة خارج الحدود مقابل رشاوى كبيرة. 
ومع استمرار وجود الخدمة العسكرية واستدعاء الاحتياط، ووجود المطالبات القانونية بحق المتخلفين عن الخدمة، فإنّ كل العائلات التي تضم ذكوراً في سن الخدمة، أو شباباً على وشك الدخول في هذا السن، سيمتنعون عن العودة حتى إشعار آخر. 
5) غياب الحوافز
تفتقر المبادرة الروسية وبقية المبادرات إلى أي حوافز مقدّمة للعائدين، بما في ذلك غياب الضمانات الأمنية من عدم الملاحقة، أو حتى تأجيل الخدمة العسكرية للمطلوبين إليها، ناهيك عن وجود الحوافز المادية التي تسمح للاجئين المعدمين بتأمين معيشتهم بعد العودة، خاصة وأن كثيراً منهم لم تكن لديه أي أملاك قبل هجرته، أو أنه فقد ما يملكه خلال الحرب(17)
وقد قامت بعض الدول الأوروبية باعتماد حوافز للاجئين الراغبين بالعودة الطوعية إلى بلادهم. على سبيل المثال، اعتمدت ألمانيا في عام 2018 نظاماً للحوافز، يتضمّن تقديم مبلغ مالي يصل إلى 1000 يورو للشخص العائد و3000 يورو للعائلة(18)


ثالثاً: هل يريد النظام وحلفاؤه عودة اللاجئين؟ 
لا تحضر قضية اللاجئين وعودتهم في الأدبيات السياسية للنظام، ولا تُذكر إلا في سياقات عابرة. وتبدو مواقف النظام بهذا الخصوص ناجمة عن ضغوط حلفائه، لا سياسة ذاتية الدافع. ويشترك النظام في هذا الأمر مع حليفه الإيراني، والذي لا يقوم هو الآخر بالحديث عن عودة اللاجئين، ولا يُشارك في أي مبادرة بهذا الخصوص.
وبالمقابل، يتبنى حلفاء النظام في لبنان، حزب الله والتيار الوطني الحر، الدعوة إلى إعادة اللاجئين السوريين، حيث تحضر هذه القضية في أدبيات الحزبين، وبشكل أخص لدى التيار الوطني الحر، والذي يتبنى خطاباً يمس في العديد من الأحيان حدود الكراهية والعنصرية. 
وتبنّى حزب الله منذ صيف 2018 مبادرته الخاصة لإعادة اللاجئين. فقد أعلن في 4/7/2018 عن إطلاق برنامج لإعادة اللاجئين الراغبين بالعودة إلى بلادهم، وقام الحزب بافتتاح مراكز تابعة له لاستقبال طلبات اللاجئين في كل من بعلبك والهرمل واللبوة وبدنايل والضاحية الجنوبية والنبطية وصور وبنت جبيل والعديسة(19).
ويتّسق موقف الحزب في هذا الشأن مع الواقع السياسي اللبناني أكثر من اتساقه مع موقف داعميه الإيرانيين أو حليفه في دمشق، إذ يحضر اللاجئون السوريون كقضية حيوية في مشهد الصراع الحزبي في لبنان، وليس بوسع الحزب تجاهل هذه القضية، خاصة وأنه مسؤول بشكل مباشر في كثير من الأحيان عن تهجير عشرات الآلاف من اللاجئين المتواجدين في لبنان، بل وما زال يُسيطر على بعض المناطق التي انتقل أغلب سكانها إلى لبنان، كالقصير مثلاً !.(20)
وبالمقابل، تُظهر روسيا رغبة عالية في إعادة اللاجئين إلى سورية، حيث يحضر هذا الموضوع في خطابها السياسي بشكل دائم، وأطلقت روسيا مبادرتها الخاصة لإعادة اللاجئين في شهر تموز/يوليو 2018، وأعلنت في ذات الشهر عن إنشاء مركز خاص في سورية لاستقبال وتوزيع وإيواء النازحين واللاجئين السوريين، وقالت بأن هذه المراكز يمكن أن تستضيف حوالي 336 ألف لاجئ، وأنها موزّعة على محافظات ريف دمشق وحلب وحمص وحماة ودير الزور والقلمون الشرقي(21).
لكن استمرار النظام السوري في ممارسة الانتهاكات بحق العائدين، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والقتل تحت التعذيب، واستمراره في سياسة "إصدار تأشيرات الدخول" للراغبين في العودة من لبنان، وغيرها من السياسات يُثير أسئلة حقيقية حول جدية الموقف الروسي. إذ أظهرت روسيا منذ تدخلها في سورية نهاية عام 2015 قدرتها المطلقة على فرض قرارات الحرب والسلم، حتى على حلفائها الإيرانيين، ومن باب أولى فإنّها قادرة على فرض الشروط الملائمة لإعادة اللاجئين، وإجبار النظام على الالتزام بها، مثلما تجبر أجهزة الأمن السورية على عدم الدخول إلى المناطق التي تُشرف عليها، أو مثلما تُجبر رأس النظام على عدم الاقتراب من منصة الرئيس بوتين!. 
وفي الواقع، فإنّ روسيا وإيران، ومعهم النظام وبقية حلفائهم، لا يملكون مصلحة مباشرة في عودة اللاجئين، بل على العكس، فإنّ بقاء هؤلاء اللاجئين خارج سورية يُساعد الإيرانيين والنظام في تثبيت مخطط التغيير الديموغرافي للبلاد، كما يُخفف من الضغط الأمني الذي يمكن أن يُسببه العائدون من مناطق منكوبة، والذين لن يكونوا في معظمهم في أحسن الأحوال من مؤيدي النظام. 
لكن الإشكالية التي تواجه موسكو على وجه التحديد أن ملف اللاجئين أصبح ورقة ضغط غربية، وأحد العوائق الأساسية أمام إقرار الحل السياسي النهائي، وبالتالي أمام عملية إعادة الإعمار، والتي لا تملك موسكو وحلفاؤها القدرة على تمويلها. وتحاول موسكو من خلال مبادرتها لإعادة اللاجئين تحقيق اختراق في هذا الملف، بحيث يتم استيعاب نسبة من اللاجئين، ممن يعتقد أنهم لا يتسببوا بأي إشكالات أمنية، وبالقدر الذي يُفكك أزمة اللجوء في دول الجوار على الأقل، وتبدو روسيا معها أنها الطرف الذي يحمل مسؤولية إعادة اللاجئين، فيما تقوم الدول الغربية بإعاقة هذا المسعى. 

خلاصة
لم يُشارك عدد كبير من اللاجئين الذين غادروا سورية في أي أنشطة معارضة أو مؤيدة، وفرّوا نتيجة خوفهم على حياتهم، خاصة في ظل استخدام النظام لأدوات الموت العشوائية، والتي لا تميّز على أساس المواقف السياسية. ويملك الكثير من هؤلاء اللاجئين الرغبة بالعودة إلى سورية، خاصة أولئك الذي يعيشون حياة صعبة في دول اللجوء (وخاصة في لبنان)، وليس لديهم الأمل بالحصول على توطين في بلد آخر. 
وتُشير الأرقام الخجولة للعائدين منذ إطلاق المبادرة الروسية، وأخواتها من المبادرات اللبنانية، إلى فشل السياسة الروسية في تحقيق أهدافها، حتى الإعلامية منها، وأن موسكو تحتاج إلى التفكير بمنهجية جديدة، تتعامل مع التحديات التي منعت اللاجئين من التجاوب مع مبادرات العودة، وتُقدّم حلولاً وضمانات لهم، بدلاً من الاكتفاء باتهام الغرب بإعاقة عودة اللاجئين!.  
وبالمقابل، ينبغي على المجتمع الدولي الاستمرار في تقديم الدعم للاجئين، بما يُمكّن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبقية المنظمات الدولية من تقديم العون الإنساني لهم، وتوفير الحد الأدنى من المتطلبات الحياتية التي تمنحهم القدرة على اتخاذ قرار عودتهم إلى سورية من عدمها، لا أن تكون هذه "العودة الطوعية" خياراً جبرياً لا بديل عنه!. 
كما ينبغي على المجتمع الدولي الضغط على النظام وحلفائه من أجل تقديم ضمانات لأمن العائدين، وتمكين الأمم المتحدة من رصد أوضاعهم، والتأكد من سلامتهم.
إلا أن المسؤولية الكبرى التي تقع على المجتمع الدولي هي الضغط من أجل الوصول إلى حل سياسي شامل، يضمن الحقوق لكل السوريين، ويسمح لهم بالعيش بكرامة داخل دولتهم. وهو الحل الذي سيُعيد معظم اللاجئين، حتى دون مبادرات أو حوافز!. 
إن مبادرات إعادة اللاجئين إلى سورية دون إقرار لحل سياسي شامل يتضمّن إجراء تغييرات فعلية في بنية النظام الأمنية، ودون وجود ضمانات دولية ومحلية، تمثّل دفعاً للسوريين للعودة إلى سجن النظام، وتكريساً للجرائم والانتهاكات التي حصلت أول الأمر، وتأسيساً لانتهاكات قادمة!. 
كما أن المبادرات التي تتجنب التعامل مع حقوق اللاجئين المشروعة في العودة إلى أرضهم الأصلية، وتعويضهم عن الضرر الذي لحق بممتلكاتهم، وتميّز بين اللاجئين على أسس مذهبية (كمنع أهالي القلمون المتواجدين في لبنان من العودة إلى ديارهم رغم هدوء مناطقهم) إنما تمثل هروباً من أزمة آنية إلى انفجار مستقبلي. 

 

المراجع:

1- Operational Portal Refugees Situation, UNHCR 
2-أظهر استطلاع أجرته الأمم المتحدة في عام 2018 بين اللاجئين السوريين أن 76% منهم يأملون بالعودة إلى سورية يوماً ما، لكن 85% من المستطلعة أرائهم لا يرغبون بالعودة خلال العام المقبل: 
Regional RPIS in Egypt, Iraq, Jordan And Lebanon (Round Iv), UNHCR, July 2018
3-The Displacement Dilemma: Should Europe help Syrian Refugees return home?, The European Council on Foreign Relations, March 2019, p4 
4- Operational Portal Refugees Situation, UNHCR 
5- الدفاع الروسية: نحو 200 ألف لاجئ قد يعودوا إلى سوريا في المستقبل القريب، سبوتنيك، 24/7/2018 
6-  Operational Portal Refugees Situation, UNHCR 
7- Operational Portal Refugees Situation, UNHCR 
8- رصدت مئات التقارير الأممية والوطنية الانتهاكات والظروف الصعبة التي عاشها اللاجئون السوريون في لبنان منذ عام 2011 وحتى الآن. انظر على سبيل المثال: 
Unpacking Return: Syrian Refugees’ Conditions and Concerns, Sawa for Dev & Aid, February 2019 
9- انظر على سبيل المثال تصريحات الرئيس ميشيل عون أثناء زيارته إلى موسكو في آذار/مارس 2019: 
Lebanon warns Europe could face another ‘wave’ of Syrian refugees, The Independent, 27/3/2019 
10- Operational Portal Refugees Situation, UNHCR 
11- وزير خارجية الأردن: عودة اللاجئين السوريين تتطلب توفير الأمن والاستقرار، العربي الجديد، 14/3/2019
12- مصير اللاجئين السوريين في الأردن.. بين العودة والبقاء، سي إن إن بالعربية، 5/1/2019 
13- Syria’s Returning Refugees, Foreign Policy, 6/2/2019 
14- قيومجيان: نظام الأسد يعرقل عودة النازحين ولا أموال لإعمار سوريا قبل الحل السياسي، إنديندنت عربية، 22/3/2019 
15- The Displacement Dilemma: Should Europe help Syrian Refugees return home?, The European Council on Foreign Relations, March 2019, p4 
16- Syria's war economy exacerbates divide between rich and poor, Middle East Institute, 6/11/2018 
17- أظهر استطلاع أجرته الأمم المتحدة في عام 2018 بين اللاجئين السوريين أن 65% من اللاجئين الذين لا يرغبون بالعودة إلى سورية هم ممن دُمّرت منازلهم، وبالمقابل فإنّ 47% ممن يرغبون بالعودة خلال العام المقبل هم ممن لديهم أملاك عقارية في سورية: 
Regional RPIS in Egypt, Iraq, Jordan And Lebanon (Round Iv), UNHCR, July 2018 
 18- Germany offers year of rent to asylum seekers who return home, Euronews, 27/11/2018 
19- "سبوتنيك" تكشف آلية عمل "حزب الله" لإعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، سبوتنيك، 4/7/2018
20- No one can guarantee our safety’: Syrians stuck in squalid exile, The Independent, 22/1/2019 
21- روسيا تنشئ في سوريا مركزا لاستقبال وتوزيع وإيواء اللاجئين، روسيا اليوم، 18/7/2018