تداعيات متوقَّعة للاتفاق الأمريكي الإيراني على سوريا
يونيو 24, 2026 11273

تداعيات متوقَّعة للاتفاق الأمريكي الإيراني على سوريا

حجم الخط

دخلت الولايات المتحدة وإيران منذ منتصف حزيران/ يونيو 2026 في مهلة زمنية مدتها 60 يوماً للتفاوض على بنود اتفاق نهائي يُفترض أن يقود إلى إيقاف الحرب. وقد بدأ الطرفان بالفعل اتخاذ إجراءات عملية لخفض التصعيد، بينها رفع القيود عن حركة الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع ضغوط أمريكية لاحتواء العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوب لبنان. 

من المتوقّع أن تترك أي تسوية بين واشنطن وطهران آثاراً تتجاوز الطرفين لتشمل مجمل التوازنات الإقليمية، بما في ذلك سوريا. فعدم انهيار النظام الإيراني بالكامل، خلافاً لبعض الرهانات الإسرائيلية، يعني استمرار حاجة الولايات المتحدة إلى بناء ترتيبات وشراكات إقليمية قادرة على احتواء النفوذ الإيراني ومنع إعادة إنتاجه. وفي هذا السياق، تبرز سوريا بوصفها إحدى الساحات الرئيسية التي يمكن أن تعتمد عليها واشنطن لتعزيز الاستقرار الإقليمي وقطع الطريق على استعادة طهران نفوذها السابق باتجاه شرق المتوسط، لا سيما في ظل صعوبة إنهاء نفوذها في العراق بشكل كامل، وتعقيد مسار نزع سلاح حزب الله في لبنان. 

في حال نجحت المفاوضات في التوصل إلى اتفاق شامل يعالج الملفات الخلافية، بما فيها الملف النووي، من المتوقّع أن تستعيد إيران جزءاً من قدراتها السياسية والاقتصادية نتيجة تخفيف الضغوط المفروضة عليها والإفراج عن جزء من أموالها المجمَّدة. ومن شأن ذلك أن يعيد تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بسوريا، سواء من حيث موازين القوى أم طبيعة الاصطفافات والتحالفات. 

في غضون ذلك، قد تجد دمشق نفسها أمام هامش مناورة أكبر في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، خصوصاً أن الرئيس أحمد الشرع أبدى استعداداً للجلوس على الطاولة مع حزب الله، إضافة إلى الحديث عن عدم وجود مشكلة مع إيران طالما أنّها لا تتدخّل في سوريا. غيرَ أنّ هذا الهامش لا يعني تراجُع القلق الإقليمي من المشروع الإيراني، حيث إنّ استمرار حضور طهران، ولو بمستويات مختلفة عن السابق، سيُبقي نفوذها الإقليمي عاملاً مؤثراً في حسابات دول المنطقة. ومن هذا المنطلق أيضاً ستزداد أهمية سوريا بالنسبة للمحور الإقليمي الصاعد الذي يسعى إلى ملء الفراغ الناتج عن تراجُع النفوذ الإيراني ومنع تحوُّله إلى فرصة لتوسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. 

قد تدفع هذه التحوُّلات إسرائيل إلى تبني سياسات أكثر اندفاعاً تجاه سوريا. فحكومة بنيامين نتنياهو قد ترى في تنامي العلاقات "السورية – الأمريكية"، أو في تعاظُم الدور الإقليمي المتوقع لدمشق، تطوُّراً لا ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية، مما قد يدفعها إلى زيادة مستوى الضغوط أو التصعيد العسكري والأمني داخل الساحة السورية، سواء لأسباب تتعلق بحساباتها الداخلية أو بهدف الحدّ من أي تحوُّلات إقليمية لا تنسجم مع رؤيتها للأمن الإقليمي. 

من جهة أخرى، قد يترافق تنامي الرهان الأمريكي على سوريا مع ضغوط متزايدة على دمشق للانخراط في أدوار أمنية وإقليمية أوسع، وهو ما قد يفرض على الحكومة السورية تحديات إضافية تتعلق بالموازنة بين متطلبات الشراكة الناشئة مع الولايات المتحدة والحفاظ على أولويات الاستقرار الداخلي. وفي الوقت ذاته، قد يؤدي نجاح الاتفاق الأمريكي – الإيراني إلى تراجع مستوى الاهتمام الأمريكي ببعض ملفات المنطقة، مما قد ينعكس على وتيرة الدعم والانخراط الأمريكي في الشأن السوري، أو يبقيه ضمن مستوياته الحالية دون انتقال إلى مراحل أكثر تقدُّماً. 

إنّ حجم استفادة سوريا من هذه التحولات، أو تأثرها بانعكاساتها السلبية، سيتوقّف إلى حدّ كبير على النهج الذي ستتبعه الحكومة السورية في التعاطي مع المستجدات الإقليمية. فكلما نجحت دمشق في توسيع نفوذها السياسي والإقليمي عبر أدوات دبلوماسية وأمنية منخفضة الكلفة، زادت قدرتها على تقليص الأخطار المحتملة. أمّا الانخراط العسكري المباشر في الملفات الإقليمية، لا سيما في الملف اللبناني، فقد يفرض أعباء إضافية على الاستقرار السوري ويحدّ من المكاسب المتوقعة. 

في المحصلة، إن تأثير الاتفاق "الأمريكي – الإيراني" على سوريا لن يتحدّد بمجرد توقيعه، إنما بطبيعة التفاهمات التي سيتضمنها، وحجم المكاسب التي ستحصل عليها طهران، ومدى استعداد واشنطن للحفاظ على انخراطها في الملف السوري، إضافة إلى قدرة سوريا على توظيف التحولات الإقليمية بما يخدم الأولويات الوطنية ويحدّ من تداعيات التنافس الإقليمي على أراضيها.