تقليص الدعم الحكومي للخبز يُفاقم تحدّيات الأمن الغذائي في سوريا
يونيو 21, 2026 10598

تقليص الدعم الحكومي للخبز يُفاقم تحدّيات الأمن الغذائي في سوريا

حجم الخط

أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة في 15 حزيران/ يونيو 2026 قراراً بتخفيض عدد الأرغفة في ربطة الخبز من 10 إلى 8، مع الإبقاء على وزن الربطة وسعرها الحالييْنِ ثابتيْنِ دون أيّ تغيير، على أن يتم تطبيق القرار اعتباراً من 20 حزيران/ يونيو. 

هذا ثاني تخفيض تقوم به الوزارة خلال شهر واحد تقريباً؛ حيث أصدرت قراراً مشابهاً في 9 أيار/ مايو الماضي، خفّضت بموجبه وزن ربطة الخبز التمويني من 1200 غرام إلى 1050 غراماً، مع الإبقاء على  السعر والعدد ثابتين. 

جاء قرار تخفيض عدد الأرغفة -حسب الوزارة- استجابةً لارتفاع تكاليف الإنتاج، وباعتبار أنّه يُسهم في تخفيف الأعباء التشغيلية عن المخابز مع الحفاظ على حصة المواطن وسعر المادة الأساسية دون تحميله أيّ تكاليف إضافية، حيث إنّ الزيادة المستمرة في كلف التشغيل وضعت الوزارة أمام خيارين؛ إمّا زيادة سعر البيع النهائي للمستهلك، أو تخفيض الوزن الإجمالي للربطة، واستقرت الوزارة على تخفيض العدد مع بقاء الوزن وسعر الربطة ثابتين. 

أثار القرار موجة استياء في أوساط المواطنين في مختلف المناطق السورية، في ظلّ أوضاع معيشية صعبة وارتفاع متواصل في أسعار الموادّ الأساسية، مما زاد المخاوفَ من انعكاسات إضافية على الأُسَر محدودة الدخل التي تعتمد على الخبز بوصفه مادة غذائية رئيسية. 

يُعَدّ هذا التخفيضُ جزءاً من مسار طويل من التقليص التدريجي الذي تتبعه الحكومة السورية منذ سقوط نظام الأسد، حيث ألغت ربط الخبز بالبطاقة الذكية، فارتفع سعر الربطة من 400 إلى 4000 ليرة قديمة، ثم توالت التخفيضات. ففي شباط/ فبراير 2025 خفضت وزارة التجارة الداخلية الوزن إلى 1200 غرام، وفي تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته أعلنت المؤسسة السورية للمخابز تقليص عدد الأرغفة من 12 إلى 10. وهكذا، وخلال 16 شهراً فقط، تراجع وزن ربطة الخبز من 1500 غرام إلى نحو 1000 غرام، بينما ظلّ سعرها ثابتاً عند 4000 ليرة، بما يعكس توجُّهاً تدريجياً نحو تقليص الدعم العيني المقدَّم للمواطنين دون تعديل السعر الاسمي للمادة. 

ولا يقتصر هذا التوجُّه على مادة الخبز وحدها، بل يأتي في ظلّ ضغوط مالية واقتصادية متزايدة تواجهها الحكومةُ، وارتفاع مستمر في تكاليف الإنتاج والتشغيل، مما يدفعها إلى البحث عن آليات لتقليص الإنفاق العامّ المرتبط بالدعم مع الحفاظ على استقرار الأسعار قدر الإمكان. 

ويبدو أنّ تقليص الدعم الحكومي المقدَّم للخبز مرتبط أساساً بانخفاض إنتاج القمح في البلاد الذي تراجع إلى نحو 40% مع تقديرات لعجز يبلغ نحو 2.74 مليون طنّ، في بلد يحتاج سنوياً إلى نحو 4 ملايين طنّ سنوياً. وقد أدّى تراجُع إنتاج القمح إلى صعوبة المحافظة على مستويات التوزيع السابقة للخبز، وهو ما يفسّر لجوء الحكومة إلى تخفيض وزن الربطة وعدد الأرغفة بصورة متدرجة. 

يتزامن مسار التقليص التدريجي للدعم الحكومي المقدَّم للخبز مع استمرار تراجُع التمويل الدولي الإنساني المخصص لسوريا، بما في ذلك تقليص برنامج الأغذية العالمي جزءاً من مساعداته الغذائية نتيجة نقص التمويل، حيث أعلن البرنامج خفض مساعداته الغذائية الطارئة في سوريا بنسبة 50% خلال أيار/ مايو 2026، وهو ما يزيد من الضغوط المعيشية على الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما أن تقرير "بُؤَر الجوع الساخنة" الصادر عن الفاو وبرنامج الأغذية العالمي أدرج سوريا ضِمن الدول المُعرَّضة لمزيد من التدهور في أوضاع الأمن الغذائي خلال الفترة المقبلة. 

يعكس تقليص الدعم الحكومي للخبز مدى قدرة الحكومة على إدارة الندرة، خصوصاً مع تراجُع الإنتاج المحلي، وتعثُّر القدرة على الاستيراد، وضعف التمويل الإنساني، الذي يُظهِر الحاجة إلى سياسة اقتصادية اجتماعية عامة ومتكاملة. 

بالمحصِّلة، إنّ الانتقال من سياسة الدعم المباشر إلى سياسة رفع الدعم التدريجي ينبغي أن تستند إلى رؤية إستراتيجية شاملة تخدم مصلحةَ البلاد، وتنعكس إيجاباً على جميع شرائح المجتمع من خلال الموازنة بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والاستدامة المالية من جهة، وضمان وصول السلع الأساسية إلى الفئات الأكثر احتياجاً من جهة أخرى، إضافة إلى تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي، لا سيما محصول القمح، وتحسين كفاءة إدارة الموارد والدعم، إلى جانب تطوير شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة والهشّة، بما يضمن الحفاظَ على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.