مَن استهدف دمشق أثناء زيارة ماكرون؟
شهدت العاصمة دمشق صباح الثلاثاء 7 تموز/ يوليو 2026 وقوع انفجارين متتاليين تزامناً مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وذلك قرب مقر إقامته، فيما سبق ذلك تصاعُد في وتيرة التفجيرات مع الإعلان عن قرب زيارته إلى سوريا؛ إذ انفجرت عبوة ناسفة خلف القصر العدلي في دمشق بتاريخ 2 تموز/ يوليو، وأسفرت عن وقوع عدد من الضحايا.
زيارة ماكرون إلى سوريا هي الأولى له بعد سقوط نظام الأسد، والأولى لرئيس فرنسي منذ عام 2009، عندما زارها نيكولا ساركوزي والتقى آنذاك ببشار الأسد، وهي أوّل زيارة لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى دمشق منذ سقوط نظام الأسد، وأوّل زيارة لزعيم غربي بارز، إذا استُثنيت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي سبق أن زار دمشق في نيسان/ إبريل 2026.
ويبدو أنّ وضع الرئيس الفرنسي ملف المقاتلين الأجانب على رأس أولويات زيارته إلى دمشق قد يكون مؤشراً على أن هذا الملف يقف في صلب الرسائل التي سعت التفجيرات إلى إيصالها، فطبيعتها واختيار أماكنها يوحيان بأن الهدف منها إيصال رسائل سياسية أكثر من السعي إلى إحداث خسائر بشرية كبيرة، وأن حدّتها يُمكن أن تتراجع إذا ما ظهر أنّ الحكومة السورية استطاعت إقناع ماكرون بخطتها في معالجة ملف المقاتلين الأجانب، وتعهدها بضبطهم وعدم قيامهم بأيّ عمل من شأنه أن يضر بالأمن القومي الفرنسي.
ثَمّة سياسة خاصة ينتهجها الرئيس ماكرون قد تُرجّح أن الاستهداف الذي حصل يحمل رسالة شخصية إليه أكثر من كونها موجهة إلى الدولة الفرنسية، وترتبط هذه السياسة بموقفه ممّا يسميه "التطرف الإسلامي" في فرنسا، والذي يَعُدّه ماكرون أحد أكبر التهديدات التي يخشاها، وبموقفه من طريقة تعامل الحكومة السورية مع ملف المقاتلين الأجانب الفرنسيين، والتي تنوعت بين إدماجهم في الأجهزة العسكرية والأمنية الجديدة، أو بقائهم في المخيمات والمناطق التي يعيشون فيها بشكل منعزل بسبب رفض بعضهم الاندماج في المجتمع السوري.
إنّ اعتراض ماكرون على طريقة معالجة الحكومة السورية لملف المقاتلين الأجانب، وخشيته من مخرجاتها، ينبعان من قدرة المقاتلين الفرنسيين على التواصل مع مجموعات أخرى داخل فرنسا وتحريك الشارع الإسلامي هناك ضدّ ماكرون، إلى جانب قدرتهم على التواصل مع المجموعات الجهادية في إفريقيا، التي شكّلت خلال السنوات الماضية أحد أبرز التحديات الأمنية لفرنسا، وأسهم نشاطها في تراجع النفوذ الفرنسي وطرد قواتها من عدد من الدول الإفريقية وإغلاق قواعدها العسكرية فيها؛ حيث خسرت فرنسا وجودها العسكري في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد والسنغال، وما تبع ذلك من خسائر اقتصادية مرتبطة بفقدان الوصول إلى بعض موارد المواد الخام والمعادن، وخصوصاً مع احتدام التنافس على إفريقيا من دول منافسة مثل تركيا والصين وروسيا والولايات المتحدة.
من جانب آخر، لا تقتصر أهمية زيارة ماكرون على ملف المقاتلين الأجانب، حيث تأتي في سياق انخراط فرنسي مبكر في دعم مسار الانتقال السياسي في سوريا، وهو ما يفسر المكانة التي اكتسبتها الزيارة بالنسبة للطرفين؛ حيث كانت فرنسا الدولة السباقة في تقديم ورقة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتضمن رؤية سياسية وإستراتيجية حول "التعامل مع الواقع الجديد ومساعدة السوريين في بناء مستقبلهم"، وما يحمله هذا الواقع من فرصة للاتحاد الأوروبي في مواجهة روسيا بسبب أوكرانيا، والحدّ من الدور الإيراني وتصفية أذرعه في المنطقة، بما يساهم في تعزيز استقرار لبنان والأمن الإقليمي.
كما كانت فرنسا سبّاقة أيضاً إلى زيارة سوريا بعد سقوط النظام، حيث زار وفد دبلوماسي فرنسي دمشق في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ورُفع العَلَم الفرنسي على مبنى السفارة المغلقة منذ عام 2012، ثم تلت ذلك الزيارة المشتركة لوزيرَي الخارجية الفرنسية والألمانية في 3 كانون الثاني/ يناير 2025، وأُعلن خلالها عن نيّة فرنسا إعادة بعثتها الدبلوماسية إلى سوريا في وقت قريب.
كانت الخُطوة الفرنسية الأكبر استقبال الرئيس أحمد الشرع في باريس في 7 أيار/ مايو 2025، وبدت بمثابة بوابة العبور السورية نحو الغرب؛ حيث تبعها بعد أسبوع واحد فقط اللقاء الذي جمع الرئيس الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض، ثم زيارة الشرع إلى البيت الأبيض في واشنطن، وإلقاء كلمة سوريا في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.
بالمحصلة لا تتوفّر معطيات حاسمة لتحديد الجهة المنفذة، إلا أن طبيعة الاستهداف وتوقيته يرجحان أن بعض المقاتلين الأجانب أو الجهات المرتبطة بهم تقف خلف التفجيرات، في رسالة موجهة إلى الرئيس ماكرون للضغط في ملف المقاتلين الأجانب، وإظهار قدرتهم على التأثير في المشهد الأمني السوري تزامناً مع زيارته إلى دمشق.