تحت المجهر

"العدالة التصالحية" سهو فني أم "خطأ مقصود"؟

تحت المجهر | "العدالة التصالحية" سهو فني أم "خطأ مقصود"؟

 

في 16 كانون الأول/ديسمبر 2020 قدّم المبعوث الأممي الخاص غير بيدرسون إحاطة إلى مجلس الأمن حول العملية السياسية في إطار اللجنة الدستورية السورية، جاء فيها أنّ وفد المجتمع المدني استخدم في المبادئ التي طرحها مصطلح "العدالة التصالحية."
على الفور، سارع 6 أعضاء من وفد المجتمع المدني لإصدار بيان ينفي أيَّ تداول لهذا المصطلح، ويدعو لاعتماد مفهوم "العدالة التعويضية" في سياق الحديث عن حقوق الملكية فقط، والذي تمَّ تقديمه في البيانات الشفوية والمكتوبة.


أدّت المراسلات مع المبعوث الخاص وحملة الضغط لإصدار مكتب الأمم المتحدة في 18 كانون الأول/ديسمبر توضيحاً اعتبر فيه أنَّ استخدام وصف "العدالة التصالحية" كان ناتجاً عن خطأ فني غير مقصود، وبالتالي؛ يُفترض تصويب الخطأ الوارد وفق الوثيقة التوضيحية المصادق عليها من قبل المبعوث الأممي، لكن بإضافتها كملحق للوثيقة الأصلية كونها غير قابلة للشطب أو تغيير المحتوى.


و"العدالة التصالحية" مفهوم بديل عن "العدالة الجنائية"، ويقتصر فقط على معيار جبر الضرر، واعتماده يلغي بقيَّة المعايير التي تنص عليها العدالة الانتقالية؛ أي الملاحقة القضائية، ولجان الحقيقة، وإصلاح المؤسسات.


ومع أنَّ "العدالة التعويضية" تقتصر أيضاً على جبر الضرر، لكنَّها تختلف عن "العدالة التصالحية" في قضيَّة المساواة، فالأولى تنطلق من تطبيق المساواة الفعلية لا القانونية، في حين تدفع الثانية نحو المساواة القانونيَّة لا الفعلية؛ أي تسامح الضحايا مع الجاني والتنازل له عن حقوقهم.


ولا يبدو أنَّ استخدام هذا المصطلح في إحاطة المبعوث الأممي كان ناتجاً فعلاً عن خطأ فني غير مقصود، بقدر ما يعكس رغبة في الاستجابة لمقاربة روسيا التي سبق وأن استخدمت هذا المصطلح على لسان فيتالي نعومكي والذي كان مستشار ستيفان دي مستورا، أو أنَّه يعكس رغبة من الأمم المتحدة في طرح هذا المصطلح للنقاش العام في الوسط السوري، بحيث يؤدِّي الشدُّ والجذب الذي حصل بخصوصه إلى ترسيخه كخيار "أكثر واقعية" من "العدالة الانتقالية". 


وعادة ما تراعي الأمم المتحدة موازين القوى بين الأطراف الفاعلة في البلدان التي تشهد نزاعاتٍ لها امتداد دولي، مثل الوضع في سورية، بالتالي؛ لا يقتصر دورها على الوساطة لمناقشة الحلول، بل الدفع نحو مقاربات تستجيب لموازين القوى.


ويُلاحظ أنَّ تداول مصطلح "العدالة التصالحية" لم يأتِ من طرف وفد النظام، وربَّما يعود ذلك إلى أنَّ العدالة على اختلاف مفاهيمها لا تتعلّق باختصاص اللجنة الدستورية، لذا فإنَّ طرح الوفد لهذا المفهوم قد يُقابَل على الفور برفضٍ قاطع مستنِد إلى الأحكام المتَّفق عليها بين الأطراف.


وعليه؛ يبدو أنَّّ الأمم المتحدة حاولت الاستفادة من إدراج مصطلح "العدالة التعويضية" في سياق حقوق الملكية من قبل وفد المجتمع المدني لطرح مصطلح "العدالة التصالحية"، على أمل تمريره واعتماده كبديل عن "العدالة الانتقالية".

وحدة التحليل والتفكير - مركز جسور للدراسات