تحت المجهر

استدعاء الأسد إلى موسكو: الرسائل والدلالات

تحت المجهر | استدعاء الأسد إلى موسكو: الرسائل والدلالات


أعلن في موسكو عن لقاء حصل بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس النظام السوري بشار الأسد في موسكو يوم 13 أيلول/ سبتمبر، في ثاني زيارة معلنة للأسد إلى موسكو منذ عام 2011.

جاء هذا اللقاء وسط أجواء تغيُّرات حثيثة تجري في سورية والمنطقة، وهي -بلا شك- تغيُّرات مرتبطة بالزيارة، أو تنعكس عليها بشكل أو بآخر.

من جهة، يبدو أن هناك توافُقات "أمريكية-تركية" على نحو متزايد فيما يتعلق بملف الشمال والشمال الشرقي، وهي توافُقات تثير انزعاج الطرف الروسي، بما انعكس في التصعيد الأخير الذي شهدته مناطق المعارضة في الشمال، بما في ذلك قصف روسي على عفرين، للمرة الأولى منذ خروجها عن سيطرة قوات "قسد".

كما تشهد المنطقة المحيطة بسورية حَراكاً محموماً بين كل الفاعلين، حيث يبدو الجميع في مرحلة إعادة ترتيب الأوراق والأولويات، والاستعداد لتغيير خريطة التحالُفات التي عرفتها المنطقة خلال السنوات السابقة.

جاءت التصريحات البعديّة من طرفَيْ الاجتماع مكرَّرة من أدبياتهما خلال الفترات الماضية، إلا أن اللافِتَ فيها كان إشارة بوتين إلى نسبة سيطرة جيش النظام على الأرض السورية، والتي قال بأنها 90%، رغم أنها في الواقع لا تتجاوز 64%، وهو ما لا يُعقل أن الرئيس الروسي غير مُدرِك له، خاصة أن التصريحات لم تكن شفهية أمام الصحفيين، بل جاءت منقولة على لسان الرئيس.

وعلى ما يبدو، فإنّ هذه النسبة تعكس عملياً مناطق سيطرة النظام بالإضافة إلى مناطق شرق الفرات التي تُسيطر عليها قوات "قسد" برعاية أمريكية، أي أن بوتين يوجِّه رسالة إلى الولايات المتحدة، ومنها إلى تركيا، بأن هذه الأرض هي من حصة روسيا، وأن أيّ توافُقات أمريكية بخصوصها مع أيّ طرف آخر غير روسيا هي توافُقات مرفوضة من قِبل موسكو.

وتعمل روسيا بشكل دؤوب على التوصُّل إلى توافُق بين النظام السوري وقيادة الإدارة الذاتية، وقد قامت مؤخَّراً بتكليف مكتب الأمن الوطني بإدارة ملف الحوار مع الإدارة، في محاولة لمنع تدخُّلات الأجهزة الأمنية الأخرى، وربما يكون استدعاء الأسد مرتبطاً بالضغط عليه للالتزام بهذه التوافُقات، بالشكل الذي ينقل "قسد" إلى مظلة جيش النظام، وهو ما يُحقق عندها نسبة السيطرة التي ذكرها بوتين.

كما تقوم روسيا بالتحضير لجملة من التغييرات المَفصِلية في بِنية النظام السوري، بما يشمل الأقسام واللجان التنفيذية التابعة لمكتب رئيس الوزراء وللوزارات السيادية في الحكومة، بالإضافة إلى تغييرات في آلية التعامل مع المعارضة الداخلية، وحتى مع جزء من المعارضة الخارجية، من تلك المحسوبة على روسيا أو قريبة منها.

هذه الترتيبات تواجه رفضاً إيرانياً، ورفضاً من النظام بطبيعة الحال، ولذا فإنّ روسيا تتوقع أن يمارس النظام مقاومة تجاهها بكل الطرق الممكنة له.

ويبدو أن روسيا قد وصلت إلى قناعة بأن النظام السوري نفسه أصبح عقبة أمام تحقيق التصورات الروسية للحل، ولذا فإنّ استدعاء الأسد إلى موسكو للمرة الثانية يهدف إلى ضبط سلوك النظام نفسه، والضغط عليه من أجل التوقف عن محاولة استغلال الهوامش بين الدَّوْرين الروسي والإيراني، أو حتى محاولة البحث عن هوامشه الخاصة من خلال التواصل مع واشنطن أو غيرها. وهذا النوع من الضبط الروسي لحليف الضرورة في دمشق ضروري للغاية في الوقت الذي تقوم موسكو فيه بمساعٍ مع الفاعلين المحليين والخارجيين من أجل التوصل إلى توافُقات تكتيكية أو إستراتيجية.

 

وحدة التحليل والتفكير - مركز جسور للدراسات

للإشتراك في قناتنا على التيليغرام اضغط هنا