التحوُّل في خُطّة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في سوريا
Apr 07, 2026 145

التحوُّل في خُطّة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في سوريا

Font Size

تمهيد  

رحّبت الحكومة السورية على لسان مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية قتيبة قاديش بـ "خُطّة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة في سوريا لعام 2026" التي أطلقتها الأمم المتحدة في 2 نيسان/ إبريل 2026 في دمشق خلال الزيارة المشتركة لوكيل الأمين العامّ للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر، ومدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو وبمشاركة "الفريق القطري الإنساني" بقيادة ناتالي فوستير، المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية لوكالات الأمم المتحدة العاملة في سوريا.  

تُعَدّ هذه الخطة الثالثة من نوعها للأمم المتحدة في ظلّ الحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد، حيث كانت الخُطّة الأولى بعنوان "إستراتيجية التعافي المبكر لسورية للفترة من 2024 إلى 2028" قد أُطلقت في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، أي في عهد نظام الأسد، ولم يتم تفعيلها من طرف الحكومة الجديدة.  

لذلك، أطلقت الأمم المتحدة الخطة الثانية بعنوان "خطة العمل الانتقالية لسوريا" في 22 آذار/ مارس 2025، وتضمنت العمل على 12 مجالاً برامجياً هي: إصلاح القطاع المالي والتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وإعادة الإعمار والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومعالجة قضايا العقوبات، واللاجئون والعائدون والنازحون داخلياً، والحماية الاجتماعية، والإصلاح الدستوري والحوار الوطني، والانتخابات، وإصلاح قطاع الأمن، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والإصلاح القانوني والقضائي، والعدالة الانتقالية، وإصلاح الإعلام. ورغم مضيّ عام على طرحها فإنه لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الأمم المتحدة والحكومة السورية لتفعيل هذه الخطة أيضاً.  

أوّلاً: مضامين الخُطّة الجديدة  

جاءت الخُطّة الحالية في 81 صفحة وحدّدت أولويات التعافي والاستجابة في 4 مجالات فقط، تتضمن استعادة البنية التحتية الحيوية، واستئناف الخدمات الأساسية، وتعزيز الصمود الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات العامة، بالتوازي مع إزالة الألغام والمواد المتفجرة ومخلفات الحرب.  

قدرت الخُطـة متطلبات التمويل لعام 2026 بحوالَيْ 2.9 مليار دولار لمساعدة 8.6 مليون من أصل 15.6 مليون شخص محتاج في جميع القطاعات، وأكدت أنّ ذلك يعكس النطاق المحدود للخطة، وأن هذه الأولويات تعكس بدورها واقع التمويل وليس تقليلاً من باقي الاحتياجات، لكن لا يمكن معالجة المحركات الهيكلية للاحتياجات الإنسانية في سوريا من خلال المساعدات الإنسانية فقط.  

نتيجة هذا النقص يُتوقّع -وَفْق الخطة- أن تظلّ الاحتياجات الإنسانية في سوريا عام 2026 مرتفعة بسبب النزوح المستمر والجديد، ومخاطر الحماية، والصراعات المتقطعة، ونقص الوصول إلى الخدمات الأساسية، وأزمة الأمن الغذائي، وسوء التغذية، والتحديات الاجتماعية والاقتصادية، وتداعيات الصدمات البيئية.  

من جانب آخر، فصّلت الخطة احتياجات الاستجابة الإنسانية للاجئين الفلسطينيين في سوريا عبر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عن باقي الاحتياجات، وقدّرت عدد اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بـ 438 ألف لاجئ، وبما يشمل التحويلات النقدية، والمساعدات الغذائية، والرعاية الصحية عبر دعم 25 منشأة طبية، ودعم التعليم في أكثر من 100 مدرسة تابعة للأونروا تضم قرابة 50 ألف طالب، إضافة إلى توفير خدمات المياه والصرف الصحي في مخيماتهم، وأشارت الخطة هنا إلى أن الحكومة السورية "أعربت عن تفضيلها الإشارة إلى اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في أراضيها كلاجئين فلسطينيين"، وتركز الخطة من جانب آخر على تلبية الاحتياجات للمجتمعات المتضررة من أحداث الساحل والسويداء وشمال شرق سوريا.  

ثانياً: فهم موقف الحكومة السورية الجديدة  

يبدو أن رفض الحكومة للخطط السابقة بسبب ما رأت فيها أنها نوع من الوصاية عليها، وتدخُّل في شؤونها الداخلية، وربط المساعدات الإنسانية باستجابة الحكومة لمتطلبات الخطة "السياسية" في المجالات الواردة فيها وعددها 12، وأنّ الخطط تمّ وضعها بقيادة المنسق المقيم منسق الشؤون الإنسانية، وبالتشاور مع مكتب المبعوث الخاص إلى سوريا، والشركاء العاملين في المجال الإنساني دون أخذ مشورة الحكومة ومشاركتها في تقدير الاحتياجات والمجالات والأولويات، إضافة إلى الصلاحيات التي منحتها الأمم المتحدة لنفسها مثل أن يعمل فريق الأمم المتحدة القطري كجسر بين المؤسسات المالية الدولية والحكومة السورية، مما يساعد على صياغة السياسات التي تتماشى مع المعايير الدولية، وأنه دون هذا الدور فإن  قدرة سوريا على الانتقال بفعالية وإعادة بناء الهياكل الاقتصادية الأساسية ستظل مقيّدة بشدّة، كذلك دور الأمم المتحدة في رسم الخرائط التحضيرية وتقييم الاحتياجات وتصميمي وتنفيذ التدابير الداعمة للإصلاح الدستوري والحوار الوطني والانتخابات، ومثل ذلك في إصلاح القطاع الأمني والقضائي والإعلام والعدالة الانتقالية والحماية الاجتماعية وغيرها.  

بالمقابل، حصلت الخطة الجديدة على موافقة وترحيب الحكومة السورية، وذلك يعود لسببين رئيسيين هما:  

● أنّ الخطة الجديدة اقتصرت على 4 مجالات فقط شملت التدخل الإنساني، وأسقطت من حساباتها أيّ تدخُّل سياسي مثل الدستور والانتخابات، وتجنّبت التصريح بقضية الإصلاح المطلوب في قطاعات القانون والقضاء والإعلام والأمن، أو القطاع المالي، أو طريقة تعامل الدولة مع نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والعدالة الانتقالية.  

●  أنّ الخطة الجديدة كرست مبدأ السيادة الوطنية إذ أكدت أن جميع الأنشطة ستنفذ بالتنسيق مع مؤسسات الدولة السورية وَفْقاً لميثاق الأمم المتحدة، وقرار الجمعية العامة 46/182، والقرارات اللاحقة للجمعية العامة بشأن تعزيز تنسيق المساعدات الإنسانية الطارئة للأمم المتحدة، وهي تؤكد جميعها أن التدخل الإنساني لن يتم إلا بطلب من الدولة السورية وبالتنسيق معها، وكانت الإشارة إلى هذه القرارات مثار الخلاف بين الدول الغربية التي دفعت مجلس الأمن لاتخاذ قرار إدخال المساعدات عبر الحدود دون إذن من النظام البائد، وبين روسيا التي كانت تطالب بتطبيق هذه القرارات واحترام مبدأ السيادة للدولة السورية، ولذا كان من الملاحظ تأكيد مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية قتيبة قاديش أن سوريا ترحّب بالخطة وما تضمنته من "التزام بالعمل والتشاور والتنسيق مع مؤسسات الدولة، وبما يراعي بشكل كامل سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها واستقلالها.  

أخيراً، يبدو أنّ الحكومة السورية استبقت الإعلان عن الخطة بالقرار الصادر عن إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية في 12 آذار/ مارس، والذي قضى بإلغاء آلية العمل بالشريك الوطني مع الهلال الأحمر السوري، ومنظمة التنمية السورية، ومنعهما بموجب ذلك من توقيع أو إبرام أيّ مذكرات تفاهُم أو أيّ اتفاقيات بشكل مباشر أو غير مباشر إلا بالتنسيق مع الإدارة.  

خُلاصة  

راعت الخُطّة الأولى الانقسام القائم في البلاد يومذاك بوجود مناطق خارجة عن سيطرة نظام الأسد، لذا بنتها على مبدأ "سوريا بأكملها"، وعلى التشاركية في تقدير الاحتياجات بين حكومة النظام والسلطات المحلية الأخرى شمال سوريا، وشمال غربها وفي شمال شرقها، وعلى آلية إدخال المساعدات عبر الحدود وَفْق قرارات مجلس الأمن بعيداً عن أيّ دور للنظام فيها.  

بينما ظهرت الخطة الثانية في وقت كانت الأمم المتحدة تُطلق مسمى "السلطات المؤقتة" على الحكومة السورية، في إشارة إلى أنها "منقوصة الشرعية"، أو لم تستكمل خُطوات الانتقال السياسية المطلوبة منها وَفْق القرار 2254 (2015)، لكن ومع التقدّم في استكمال هذه الخُطُوات من حيث تشكيل حكومة تمثيلية، وإصدار الإعلان الدستوري، وإجراء انتخابات مجلس الشعب، وتسارُع خُطوات الاعتراف الدولي، خصوصاً بعد لقاء الرئيسين أحمد الشرع ودونالد ترامب، وإلغاء تصنيف الرئيس وهيئة تحرير الشام ورفع العقوبات الدولية عن سوريا، فإن ذلك عزّز موقف الحكومة السورية في التمسك بمبدأ السيادة في خُطَط المساعدات الإنسانية، وفي مبدأ عدم التدخل في شؤونها الداخلية استناداً لميثاق وقرارات الأمم المتحدة.  

أدّى موقف الحكومة السورية إلى مراعاتها من الأمم المتحدة وإجراء تحوُّل جذري في خطة الاستجابة الإنسانية، وذلك التزاماً بمبدأ الحياد الذي يحكم العمل الإنساني، وضماناً لعدم تأثُّر المجتمعات المتضررة على خلفية المواقف السياسية، وللمساعدة في استقرار البلاد، ولتخفيف أي آثار سلبية اقتصادية واجتماعية وأمنية محتملة من الحرب الإسرائيلية في غزة وجنوب لبنان وإيران.  


 

Researchers