تحت المجهر

أَوْسَع حملة حجز احتياطيّ في حلب - تطويع وجِبَاية

تحت المجهر | أَوْسَع حملة حجز احتياطيّ في حلب - تطويع وجِبَاية


أصدرت وزارة المالية التابعة للنظام السوري حجزاً احتياطيّاً على ممتلكات حوالَيْ ستمئة وخمسين تاجراً يعملون في قطاع المحروقات والنقل في محافظة حلب، في إطار استمرار سياسة الحجز الاحتياطي على الأموال لتحصيل موارد لخزينة وزارة المالية في حكومة النظام، ولأسباب أعمق تتعلق بسياسة إدارة السلطة والثروة في سورية وخصوصاً في دمشق وحلب. 

وكانت دمشق قد شهدت السنوات الماضية، بسبب التركيز الأكبر للسلطات الأمنية فيها، على تحصيل أموال وتنفيذ إجراءات كثيرة على تجارها ومستثمريها وكبار الأثرياء فيها، في حين يعمل النظام على تعميم هذه السياسات الاقتصادية الأمنية على جميع المحافظات وخاصة حلب التي تخضع الآن لحملة واسعة. 

ويبدو أن الحملة على حلب تعود لسببين رئيسييْنِ:

1.    رغبة النظام باستغلال تجار حلب لسدّ العجز الذي يعانيه، حيث استطاع تُجّارها العودة إلى الواجهة بسرعة رغم الدمار الكبير الذي لحق بمنشآتهم، فهم يستفيدون من تواجُدهم في أماكن قريبة من مناطق سيطرة المعارضة؛ بما يسمح لهم بالحصول على الموادّ المفقودة في الأسواق السورية، وكذلك الاستفادة ممَّا يخصصه النظام السوري للمحافظة من سلع وإمكانيات كالمحروقات مثلاً، حيث استفاد أصحاب شركات النقل من كامل مخصَّصاتهم للمحروقات، وحصلوا على محروقات حتى للآليات المتوقِّفة عن العمل، بما مكّنهم من تسيير رحلات أكبر وبالتالي أرباح أكبر.

2.    حِرْص النظامِ على تطويع تُجّار حلب ومستثمريها الذين يتمتعون بعلاقات تجارية واسعة جدّاً وقُدُرات مالية كبيرة، وإرغامهم على الانضباط بمنظومته الأمنية والاقتصادية، لا سيما المتذمرين منهم من دور بعض الجهات الحكومية أو الأذرع الأمنية الرسمية أو الرديفة في عرقلة عجلة الصناعة والتجارة في حلب.

على أن هذه الحملة وإن كانت الأكبر فإنَّها ليست الأولى من نوعها، فقد مارَس النظام مؤخراً عدة حملات للضغط على تُجّار حلب ومستثمريها، كان أهمها:

1.    حملات مصادرة بضائع قامت بها إدارة الجمارك التابعة للنظام مطلع 2021، ممَّا صعَّد غضب تُجّار حلب، وأعلن بعدها عددٌ واسع منهم التوقُّف عن ممارسة أعماله وعزمه مغادرة البلاد، لتنتهي الحملة بتراجُع الجمارك عن عمليات المصادرة وإعلانها لائحة لتنظيم عملها في حلب.

2.    حملة قامت بها السلطات الأمنية في دمشق في آب/ أغسطس 2021 باستدعاء عدد كبير من تجار حلب ومساومتهم على دَفْع مبالغ مالية.

3.    تغريم النظام لبعض تجار حلب بمبالغ مالية ضخمة منذ منتصف 2021، منهم على سبيل المثال الصناعي هشام دغمان الذي تم تكليفه بمليارات الليرات -بحسب وصفه- ليعلن إيقاف نشاطه، وعدم دفع المبلغ المترتّب عليه، وبدأ بعمليات نقل أمواله وأعماله إلى مصر، وسط تضامُن عدد كبير من صناعيي وتُجّار حلب معه، ثمَّ بعد ثلاثة أشهر تمَّ إعلان وفاته يوم 28 آب/ أغسطس 2021. 

تقوم إجرائية الحجز الاحتياطي المتَّبعة من قِبل النظام على سلسلة تحقيقات ووثائق يجمعها الجهاز المركزي للرقابة والتفتيش التابع لرئاسة الوزراء، ويرفع الجهاز تقريره لرئيس مجلس الوزراء، الذي يتشاور بدوره مع الأفرع الأمنية لتنفيذ قرار الحجز، ولا يفكّ الحجز إلا بدفع مبالغ مالية على شكل "مصالحة" مع وزارة المالية. 

وبالتالي فإن الحجز الاحتياطي بات من أهم أدوات التطويع الأمني إلى جانب الشراكة المالية والاقتصادية بين النظام وطبقة التجار والمستثمرين وحتى كبار الأثرياء من المسؤولين، من هنا فإنَّ الحجز الاحتياطي الأخير الذي شمل ستمئة وخمسين شخصاً دفعة واحدة يوجِّه رسالة قاسية مفادها ضرورة الانخراط الأمني والاقتصادي ضِمن ترتيبات النظام ومنظومته، بالتزامن مع وفاة أحد الصناعيين المكلفين بالضريبة والذي قرر الاعتراض على تلك الترتيبات بالخروج من سورية، لكنه لم يعِشْ ليفعل ذلك، الأمر الذي يستغله النظام في حملته القاسية، والتي من المتوقع استمرارها على قطاع التُّجار والمستثمرين في سورية بشكل عامّ وعلى حلب بشكل خاصّ.

 

وحدة التحليل والتفكير - مركز جسور للدراسات

للإشتراك في قناتنا على التيليغرام اضغط هنا