دراسات

استشراف أداء الاقتصاد السوري في عام 2021

مقدمة
 
مر عام 2020 قاسياً على معظم دول العالم، ولكنه كان أكثر قسوة على الدول التي تُعاني من أزمات أصلاً، كما هو الأمر في سورية. 
وقد تركت خمسة أحداث رئيسية في عام 2020 أثرها في الاقتصاد السوري، أولها استمرار الصراع ودخوله عامه العاشر وما تبع ذلك من تسخير موارد الدولة لصالح الحرب لتنخفض على إثره احتياطات المركزي من القطع الأجنبي وترتفع قيمة المعروض النقدي على خلفية زيادة الانفاق، إضافة للأضرار التي لحقت بالمعامل والبنى التحتية، وثانيها الصراع الذي ظهر بين رامي مخلوف ومن خلفه من رجال أعمال من جهة والأسد من جهة أخرى، والذي أعطى رسالة واضحة لرجال الأعمال من أبناء السلطة أنهم قد يكونون الهدف التالي على قائمة الاستهداف، مما دفع العديدين لمحاولة إخراج أموالهم أو بعضها خارج البلاد، وثالثها الأزمة في لبنان، والتي بخّرت أرصدة العملة الأجنبية لعدد كبير من رجال الأعمال، ورابعها انتشار وباء كورونا وما خلّفه من أثر نفسي على المجتمع السوري بدرجة رئيسية وضيّق ما تبقى من حركة للناس بين سورية ومحيطها، أما الحدث الخامس فكان العقوبات التي دخلت حيز التنفيذ في وسط العام تحت عنوان "قانون قيصر"، والتي منعت أي تدفق لأموال من الخارج، وأوقفت طموحات مستثمري الداخل وشهوتهم لإعادة الإعمار.
هذه الأحداث حملت آثارها إلى 2021 وبناءً على آثارها، إضافة إلى توقعات سياسية وعسكرية تميل إلى الركود وعدم ظهور الكثير من المفاجآت، وبتحليل الفاعلين الرئيسين في المشهد الاقتصادي السوري نستطيع أن نقسم هذه الورقة إلى عدد من المسارات: النقدية التي تتناول الجانب المتعلق بالليرة السورية والمصرف المركزي والقطاع المصرفي بشكل عام، والمسار المالي الذي يتناول الموازنة العامة بشكل رئيسي، إضافة للمسار المتعلق بالتجارة الخارجية والداخلية وحركة الأسواق والسلع والاستثمارات، وكذلك مسار الصناعة والزراعة والسياحة، إضافة إلى الطاقة والديمغرافية السورية التي تساعد في فهم كبير للمشهد الاقتصادي ككل، ثم نختمها بأبرز التوقعات التي ستطرأ على المؤشرات الاقتصادية، مستندين في كل ذلك إلى رصد ومتابعة دقيقة للأحداث طيلة عام 2020، وتحليل لأهم هذه الأحداث والبحث في تفاصيلها، على أمل أن نصل إلى أقرب صورة محتملة لمسار الاقتصاد السوري بشكل عام، مما يؤهل العاملين والمهتمين بالشأن السوري من مؤسسات مجتمع مدني وتجار ومستثمرين وصحفيين ومحللين سياسيين أن يُكوّنوا الإطار الاقتصادي العام لأعمالهم ومخططاتهم المقبلة.
 
أولاً: النقود والمصارف 
 
1) الليرة السورية
وصل سعر صرف الليرة السورية إلى مستويات قياسية في 2020، حيث اقتربت الليرة من سعر 3000 لكل دولار أمريكي، وهو انخفاض غير مسبوق. ومن الملاحظ أن 2020 بشكل خاص شهد انهياراً أكبر من أي وقت سابق، فقد هبط سعر الصرف من أقل من 1000 ليرة لكل دولار نهاية 2019 إلى نحو 2900 ليرة لكل دولار تقريباً مطلع 2021. 
ويعمل البنك المركزي السوري على الحفاظ على ثبات سعر الصرف عند أي مستوى ممكن كهدف أولي ولكنه يفتقر للأدوات اللازمة لتحقيق هذا الهدف، لذا فإن توقعاتنا لليرة السورية يمكن أن ترتكز على نقطتين رئيسيتين:
• مسار سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية سيستمر بالهبوط ولن يكون ثابتاً بأي حال من الأحوال، وقد نشهد انخفاضات متتابعة بنسب صغيرة جداً، مع احتمالية عالية لهبوط أو اثنين بشكل كبير ومفاجئ خلال العام.
• سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي قد يشهد انخفاضاً يصل إلى 4000 ليرة مع نهاية العام بالحد الأقصى، أو دون ذلك بقليل في ظل الظروف الراهنة، وهذا يعود لحوامل الاقتصاد السوري الضعيفة التي تؤهل الليرة السورية لتعكس ذلك كون معظم هذه العوامل متآكلة ومستمرة بالتآكل.
 
2) مصرف سورية المركزي
استطاع مصرف سورية المركزي – رغم الظروف الصعبة خلال السنوات الطويلة الماضية- أن يستمر بدعم المنظومة الحكومية السورية ومنظومة الحرب عن طريق تأمين القطع الأجنبي اللازم لمعظم العمليات الرئيسية الحكومية. 
ورغم أن موارده النقدية تضاءلت إلى مستوى دون مليار دولار أمريكي، وهو أدنى احتياطي في تاريخ المصرف، فقد ظلت هذه المبالغ الصغيرة أداة لتمويل الصفقات الرئيسية من الخارج، حيث وجهها بشكل رئيسي لدعم المستلزمات الرئيسية عن طريق سعر تفضيلي، كما طور المركزي جملة من الوسائل لرفده بالقطع الأجنبي؛ كقانون بدل الخدمة العسكرية الذي ساعد خبراء من المركزي في صياغته، وبدلات جواز السفر ورسم الدخول إلى سورية للمغتربين وسعر تصريف الحوالات الواردة من الخارج والتي شكلت مصدراً مهماً له، هكذا نستطيع أن نقول أن المركزي السوري استطاع تحقيق أهدافه في عمليات التمويل دون أن يحقق أهدافه في عمليات ضبط الأسعار والمساهمة في الاستقرار والنمو.
نهاية 2020 فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على المركزي السوري بشكل مباشر وغير مسبوق، وأدّت هذه العقوبات، مضافاً لها تآكل الاحتياطي النقدي الكبير وتراجع ثقة الناس به، لم يعد المصرف المركزي يمتلك سوى ما هو إلزامي وإجباري من أدوات يمكن تطبيقها كالضغط على مكاتب الصرافة والبنوك وشركات التحويل للتعاون معه. 
وفي ضوء هذه الصورة نستطيع التنبؤ بأن ظروف المركزي السوري ستكون في نطاق جمع مستلزمات التمويل الرئيسية، مع محاولة استحداث وسائل جديدة لتنويع مصادره، ولكننا قد نشهد تضييقاً كبيراً على قدرته على التعاون مع الجهات الخارجية بموجب قانون العقوبات، مما سيؤخر على أقل تقدير كثير من العمليات التي يتوقع أن تعطي فيها الولايات المتحدة استثناءات له للاستمرار بها لأسباب إنسانية.

3) المصارف وشركات التحويل والصرافة
يعمل في سورية قرابة عشرين مصرفاً، ستة منها على الأقل مملوكة للحكومة، أبرزها المصرف التجاري السوري الذي يواجه عقوبات بسبب تمويله للأعمال العسكرية بشكل مباشر. 
وتتصف البنوك الخاصة وشركات التأمين الموجودة في السوق السورية بأنها ضعيفة رأس المال عموماً، فبنك الشام -على سبيل المثال- يمتلك رأس مال من 8 مليار ليرة سورية (قرابة 3 مليون دولار) ، فيما تمتلك بقية البنوك رؤوس أموال تقترب من هذا الرقم أو تقل عنه. كما أن إجمالي موجودات البنك بما فيها إيداعات الزبائن لا يتوقع أنها تجاوزت 200 مليار ليرة سورية مع نهاية 2020 (قرابة 70 مليون دولار أمريكي)، مما يعني أننا أمام سوق ضعيف من حيث الإيداعات والتعاملات. ومع فرض عقوبات على المصرف المركزي فإن هذه الإيداعات ستبقى في إطار الحد الأدنى ومعظمها بالليرة السورية طبعاً، وستقتصر الإيداعات على ما هو إجباري من رواتب ومبالغ في التداول كمبالغ المبيعات اليومية للشركات، والمبالغ المخصصة لبيع العقارات والسيارات والتي يجب إيداعها في حساب بنكي بموجب القانون 5 الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء مطلع 2020 .
وستقتصر أعمال شركات الصرافة المنتشرة في الشمال السوري بكثرة على استقبال الأموال من الخارج، مُحققة مكاسب بسيطة من هذه العمليات مع مكاسب أكبر من فروقات سعر الصرف والمضاربة بالعملات، بما فيها الليرة السورية، وربما نشهد عمليات أكبر من هذا النوع في 2021.
كما يتوقع ألا يدخل مستثمرون أجانب للمشاركة في هذه البنوك، مع احتمالية خروج البعض كأفراد أو شركات من البنوك لصالح مستثمرين محليين ورجال أعمال يبيعون لهم الحصص، ويحتمل أن تتركز استثمارات الشمال السوري في جانب العقارات لأغراض إنسانية بالدرجة الرئيسية ثم لأغراض ربحية، حيث يمكن أن يدخل مستثمرون في هذا المجال لغرض مواجهة الطلب على المنازل الصغيرة نتيجة سوء الظروف المعيشية.
 
ثانياً: المالية العامة للدولة 
 
شهدت موازنة 2021 تضخماً في رقمها المعتمد وهو (8.5) ترليون ليرة سورية، ولكنها رغم ذلك لا يتوقع أن تتجاوز 3 مليار دولار بسبب انخفاض سعر الصرف، مما يجعلها الأقل تاريخياً مقومة بالعملة الأجنبية. 
ويتوقع أن تواجه هذه الموازنة بشكل خاص وكل قطاع المالية العامة للدولة بشكل عام عدة مشاكل في 2021 أبرزها:
• حجم العجز المعلن عنه في موازنة 2021 يبلغ 2.4 ترليون ليرة سورية (مليار دولار تقريباً، وفق أسعار مطلع 2021) أي قرابة 30% من إجمالي الموارد، ولكن الموارد المذكورة في الموازنة والتي قدرت الموارد الاستثمارية بـ 2.5 ترليون ليرة (1.1 مليار دولار) مبنية على تحسن كبير في الظروف الاقتصادية وانتهاء الحرب والأزمة التي تمر بها سورية حالياً، كما يتم التداول في أثناء إعداد الموازنة، لذا فإنه من غير المتوقع أن يتم تحقيق هذه الأرقام، حيث يتوقع أن يتم تحقيق أكثر من نصف هذا الرقم بقليل، أي قرابة 1.5 ترليون ليرة سورية (550 مليون دولار)، كذلك قُدرت الإيرادات الجارية بـ 3.4 ترليون ليرة (قرابة 1.5 مليار دولار)، وهو رقم تم تقديره على أساس تعافٍ كبير للاقتصاد السوري، حيث أن ما تم تحقيقه في العام الماضي يقل عن ترليون ليرة سورية (430 مليون دولار)، ولن تزيد إيرادات العام المقبل عن 2 ترليون على أبعد تقدير (860 مليون دولار أمريكي). لذا، فإن العجز الحقيقي في عام 2021 يتوقع أن يتجاوز 4.8 ترليون ليرة سورية (حوالي 2 مليار دولار) أي قرابة نصف الموازنة (50% عجز) وسينعكس هذا الأمر في قدرة الجهاز الحكومي على ضمان تأمين الدعم للسلع الرئيسية وتنفيذ المشاريع، وربما بدرجة أقل دفع الرواتب للموظفين التي قد تتأخر عن المعتاد.
• كما أنه من الواجب متابعة نسب التنفيذ في الموازنة القديمة الخاصة بعام 2020، فالرقم المعلن عنه كإجمالي إنفاق لعام 2020 والذي وصل إلى 4 ترليون لم يتم إنفاق سوى جزء منه لصعوبة الظروف التي تعانيها حكومة النظام، خاصة في تأمين الإيرادات اللازمة، ففي البيان المالي المناقش في مجلس الشعب ورد أن نسبة التنفيذ للمشاريع الاستثمارية لم تصل إلى 23%! وبأن الحكومة تعاني من عدم قدرة على تأمين احتياجاتها. 
ويُعتقد أن رقم الموازنة الحالية تم تضخيمه جداً لأسباب إعلامية، ولإثبات أن حكومة النظام السوري ما تزال قادرة على الإمساك بزمام الأمور وقيادة المشهد الإداري والاقتصادي في سورية.
ثالثاً: التجارة الخارجية

اقتصرت التجارة الخارجية على الأساسيات في عام 2020، وكان التغير الأكبر في هيكل التجارة السلعية السورية هو اقتصار السلع المصدرة على المواد الخام كالحبوب والبذور والمكسرات والخضروات والفواكه، إضافة لزيت الزيتون والقطن. 
ولا نتوقع أن يطرأ تغيرات كبيرة على الهيكل السلعي، خاصة لجهة الصادرات السورية للدول الأخرى، والتي لن تتجاوز بطبيعة الحال مليار دولار أميركي في عام 2021، رغم أنها قد تشهد تحسناً في الكميات لجهة التصدير لدول الخليج سواء عبر العراق أو عبر الأردن، وكذلك لجهة توقيع اتفاقات تصدير الخضار والفواكه لروسيا وصفقات التبادل مع إيران. 
ولا يتوقع أن نلحظ في قائمة السلع المستوردة أي سلع صناعية أو ماكينات، وسيستمر حظر توريد السيارات تجنباً لخروج كميات كبيرة من القطع الأجنبي من جهة ولكون الحاجة أقل لها من أي وقت آخر.
كما أن الشركاء التجاريين الرئيسيين في 2021 سيكونون بالدرجة الرئيسية الصين التي تستورد منها مناطق النظام وبدرجة أقل مناطق المعارضة (عبر موانئ تركيا أو عبر الساحل السوري) الحصة الأكبر، وستأتي تركيا كذلك على قائمة الشركاء الرئيسين خاصة لمناطق المعارضة ومنها لمناطق النظام ومناطق سيطرة "قسد"، وستتقدم دول الخليج، خاصة السعودية، في قائمة الشركاء، حيث يتوقع أن تستقبل صادرات أكبر، ولكنها ستبقى دون المأمول ودون الحدود التي كانت عليها ما قبل 2011. كما ستأتي روسيا في قائمة الشركاء التجاريين الرئيسيين استناداً لتجارة الحبوب، حيث يعتمد عليها النظام بشكل متزايد للحصول على القمح، وسيُصدّر لها الخضار والفواكه.
ورغم أن الإحصاءات التجارية مع إيران ستغيب بشكل كبير كما هي عادة السنوات السابقة، إلا أن توقعاتنا أن تحافظ مناطق سيطرة النظام على علاقات تجارية قوية مع إيران خاصة في مجال الغذائيات المصنعة والسجائر. 
وسيحافظ الاتحاد الأوروبي (الشريك التجاري الرئيسي لسورية قبل عام 2011) على مواقع متأخرة للغاية في 2021 بسبب العقوبات والمقاطعة.
ومن المتوقع أن تشجع الحكومة المستوردات لصالح السورية للتجارة وخاصة لجهة حصر السلع الغذائية وتوسيع سلة هذه السلع لتوزيعها عبر البطاقة الذكية وستعمل الحكومة على توسيع شبكة التجار الذين يتم الاعتماد عليهم في الصادرات والواردات.
وقد نشهد في عام 2021 انخفاضاً للتجارة غير الشرعية (التهريب) عبر لبنان والعراق، نظراً للضغوطات الداخلية والخارجية التي تواجهها هذه الدول لوقف عمليات التهريب.
وستسعى الحكومة السورية لترسيم العلاقات أكثر والتوجه لتوقيع اتفاقات تعاون أكثر كتلك التي تتعلق بتوريد الكهرباء لكل من العراق ولبنان، وهي ورقة طالما استعملتها الحكومة السورية أمام المسؤولين في لبنان، وقد تقوم باستعمالها مع المسؤولين في العراق في عام 2021، كما ستحاول الحكومة السورية توقيع اتفاقات ترانزيت بين سورية والعراق ولبنان، في محاولة لتعويض ما كان يدخل من مواد مهربة عبر هذه الدول.
الاستثمارات السورية في لبنان ستنخفض على مستوى القطاع الخاص ورجال الأعمال السوريين المقيمين في سورية، وسترتفع لأولئك الذين يتمتعون بحماية أكبر من قبل حزب الله والنظام، ويستطيعون توسيع مساحة العمل لصالح داعميهم، وسيسعى هؤلاء التجار أو نظرائهم لفتح أعمال في العراق في ظل التوسع الحاصل وتحسن البيئة الاستثمارية فيها.
الاستثمارات اللبنانية والعراقية في سورية ستكون لصالح رجال أعمال يعملون بالعقارات بشكل رئيسي، وفي إطار التغيير الديمغرافي أكثر منه في إطار الاستثمار الربحي، وكذلك قد يدخل شركاء إيرانيين بشكل مباشر في مثل هذه الأعمال خاصة في حلب ومحيط دمشق.
الاستثمارات الإيرانية في سورية ستستمر نظرياً، حيث قد يشهد 2021 مزيداً من الاتفاقات في مجال الشراكة الصناعية والبناء والبنى التحتية، ولكنها من غير المتوقع أن تتم عملياً إلا بعد استقرار أوضاع إيران في المنطقة، وضبط العلاقة مع روسيا والتفاهم على هذه الأنواع من الشراكات، حيث تسعى روسيا للهيمنة بشكل أكبر على قطاعي النفط والغاز والتعدين. ويتوقع ألا يكون لها عمليات ممارسة رسمية في 2021، ولكن قد تبدأ بعمليات كشف أو استطلاع خاصة في البحر المتوسط.

رابعاً: التجارة الداخلية

شهدت نهاية عام 2020 صراعاً بين التجار من طرف وبين الحكومة من طرف آخر، ففي الوقت الذي بدت فيه الحكومة عازمة على إجراء إصلاحات جذرية تجاه التهرب الضريبي وضبط الفوضى في الأسواق ومكافحة السلع المهربة... ارتكزت خطتها على ثلاثة أجهزة رئيسية هي جهاز الجمارك وجهاز الضرائب وجهاز التجارة الداخلية (التموين). وتمتعت قيادات هذه الأجهزة بصلاحيات كبيرة ترتبط بالأفرع الأمنية وبتفاهم مع رئيس مجلس الوزراء ورئيس النظام بشار الأسد نفسه. 
ورغم أن التجار يحاولون تشكيل كتلة صلبة للدفاع عن مصالحهم من خلال مجلس الشعب وغرف التجارة والصناعة والسياحة، إلا أنه لا التنافس البيني ولا أسلوب تعامل الأفرع الأمنية بحسب التجارب السابقة يمكن أن يجعلنا نتوقع تطور هذا التيار ليكون أداة ضغط على الحكومة.
كما شهد العام في الوقت عينه صراعات مع كبار التجار لجهة إجراء تغييرات عميقة في بنية الاقتصاد الشكلية، حيث تم استبعاد رامي مخلوف وعدد من المحسوبين عليه، كما عمدت الأجهزة الثلاثة لمكافحة الأعمال المستهدفة وحصل صدام واسع بينهم وبين التجار وصل إلى درجة تحريك الموضوع في مجلس الشعب، وكاد أن يحصل صدام مفتوح، تعهد على إثره جهاز الجمارك بالتراجع عن إجراءاته، حيث أعلن مدير الجمارك العامة عن نيته عدم تسيير دوريات داخل مدينة حلب، ويتوقع أن يفعل الأمر ذاته في دمشق بعد صدام مماثل .
ولكن على جانب آخر يتوقع أن تتم مواصلة مراقبة التجار والتدقيق على أرباحهم لجهة تحصيل مزيد من الموارد للخزينة الخاوية، كما يعتقد أن شخصية وزير التجارة الداخلية الصدامية والمدعومة من الأسد نفسه ستجعله أكثر صرامة في ضبط الأسواق، وقد نشهد صراعات علنية وهجمات ضده ليصار إلى حل على غرار ما حصل سابقاً يقضي بإبعاد رؤساء هذه الأجهزة من الواجهة في سبيل كسب الكتل الرئيسية في سورية وإعادتها إلى حالة الرضى السابقة في إطار توافق ما.
الأسواق المنتعشة حالياً في معظمها هي أسواق ساحلية، وستستمر هذه الأسواق في 2021 في تحقيق مزيد من النشاط، خاصة في ظل إهمال الأسواق الأخرى في حمص وحلب وريف دمشق، وستعمل "المؤسسة السورية للتجارة" على ضم مزيد من السلع لبطاقتها الذكية، وتوسيع سلة منتجاتها، وقد تطرح سيارات وسلع رفاهية؛ كالأجهزة الكمبيوترية أو الجوالات وغيرها لتحصيل موارد للخزينة وحصر الموارد في يد الحكومة، ويتوقع أن تزيد الشركة من عدد صالاتها تباعاً وبشكل ملحوظ في 2021.
في الوقت الذي ستبقى فيه الأسعار – العامل الأهم في السوق- مرتبطة بسعر الصرف وآخذة بالارتفاع، حيث يتوقع أن ترتفع بأكثر من 80% خلال 2021 على أقل تقدير، وخاصة سلع المواد الغذائية والمحروقات وبنسبة أقل الاتصالات والكهرباء والمواد المدعومة التي قد تسعى الحكومة لرفع سعرها في 2021.
مع تهدئة الظروف في المناطق المختلفة في عموم الأراضي السورية، يتوقع أن يكون هناك مزيد من التعاون بين الأطراف المختلفة في 2021 (في مناطق المعارضة والنظام)، وهذه العمليات التجارية ستضمن تدفق مواد تركية نحو مناطق النظام وتدفق مواد إيرانية ومحلية الصنع نحو مناطق المعارضة. 
ورغم أن النظام بدا جدياً في حملات المقاطعة للمواد التركية، حيث شنت الجمارك وجهات أخرى حملات على البضاعة التركية بشكل خاص، فإن هذا يتوقع أن يتراجع لأسباب تتعلق بصعوبة ضبطه إضافة لأهمية هذه السلع للسوق في مناطق النظام، كما تعتبر المواد المصنعة في مناطق النظام ذات سمعة وإرث ثقافي للسوريين في مناطق الشمال السوري لذا فإن تدفقها سيكون طبيعياً.
 
خامساً: الصناعة والزراعة والسياحة

عانت سورية على صعيد الزراعة في السنوات الأخيرة من مشكلتين رئيسيتين، الأولى تتعلق بتراجع مخزون المياه، حيث أن مخزون سورية من المياه جرى استخدامه بطريقة جائرة، وتعرضت المؤسسات التي تتحكم بالمياه وبناها التحتية للدمار، كذلك في قطاع الكهرباء المساعد على عمليات ضخ المياه، وشهدنا في درعا جفافاً في بحيرة مزيريب وبعض الأماكن الأخرى في المدينة خلال السنوات السابقة، ولدينا مشكلة تلوث المياه التي تعرضت لآلاف القذائف، والتي تسببت بتلوث المزروعات كيميائياً .
رغم ذلك نتوقع زيادة في التوجه نحو الزراعة خاصة في المناطق الشمالية والشرقية وريف درعا، وذلك في سبيل تأمين احتياجات السكان اتجاه الأسعار المرتفعة للمواد الغذائية والنقص الحاد في بقية المهن والهدوء النسبي المتوقع في مختلف المناطق.
الصناعات السورية الكبرى والمشهورة ستعمل في الحد الأدنى، بما في ذلك النسيج والغزل وصناعة الألبسة الجاهزة، إضافة للصناعات الكيماوية والزجاج وصناعة الاسمنت. وسيتم التركيز أكثر على الصناعة الغذائية عن طريق المعامل المقربة من الحكومة، خاصة معامل وزارة الدفاع، وكذلك يتوقع أن تزدهر صناعة الأسمدة ذات الاستخدامات الزراعية والعسكرية، والصناعة المعدنية والخراطة، وغير ذلك من عمليات خاصة بالصيانة والقطع، والتي يتوقع أن تزدهر على أساس تطويرها في معامل الدفاع التابعة لوزارة الدفاع السورية ولأغراض عسكرية بحتة، مع أغراض تبديل قطع المولدات التي راحت تنتشر في سورية على نطاق واسع خاصة في المؤسسات الحكومية.
وستنحصر الإنشاءات الرئيسية لأغراض صيانة البنى التحتية أكثر بيد "مؤسسة الإنشاءات العسكرية" وبعض العقاريين المقربين من النظام، أما أعمال الصيانة والبناء الصغير فستلقى على عاتق الورشات القليلة المتبقية في مناطق سيطرة النظام. 
ويتوقع أن تشهد مناطق المعارضة مزيداً من البناء لأبنية سكنية بسيطة لأغراض تحسين حياة المهجرين.
ويلاحظ في عام 2020 انخفاض أعداد الزوار الأجانب لسورية بشكل كبير لأغراض دينية، والذين يأتون بشكل أساسي من العراق وإيران ثم من لبنان، ويُعتقد أن عددهم لم يتجاوز 200 ألف زائر في عام 2020 على خلفية انتشار وباء كورونا. 
وفي 2021 يتوقع أن يرتفع هذا الرقم من جديد لنسب تصل ربما إلى مليون زائر خلال عام، ليس كلهم لأغراض دينية، ولكن قد يزور سورية عدد أكبر من السوريين الذين يعيشون في الخليج أو أوروبا لأغراض اجتماعية أو بسبب العوامل الطاردة في الدول. 
في هذا الإطار نلاحظ أن الشخصيات المتموضعة على رأس السياحة السورية هي شخصيات ضعيفة وغير قادرة على فعل الكثير، خاصة في وزارة السياحة وغرف السياحة، كما يقتصر الاستثمار في السياحة على استثمارات تتعلق بالترفيه الداخلي كالمقاهي والملاهي أكثر منها بالمناطق الجاذبة للأجانب، ولا يتوقع أن يكون هناك أي استثمارات أخرى ذات وزن في 2021.

سادساً: الطاقة

لا تزال خارطة الطاقة في سورية تتمركز ضمن مناطق سيطرة قوات قسد، والتي تستحوذ على الكميات الأكبر.  وتعتمد مناطق المعارضة في غرب الفرات على كل من "قسد" وتركيا في استيراد المواد النفطية، ويعتمد النظام على مصادر مختلفة، منها "قسد" وإنتاجه المحلي الصغير الذي يحاول توسيعه، ومحاولة شراء نفط من السوق السوداء العالمية، ويعتمد بشكل أقل على لبنان. 
ولا يتوقع في عام 2021 أن تتغير هذه الخارطة كثيراً، مع انحسار أكبر للكميات القادمة من لبنان نتيجة السعي لضبط الحدود.
ستستمر "قسد" في تصريف كمياتها نحو العراق ومناطق المعارضة مع كميات نحو مناطق النظام ولو بشكل غير كبير، ويتوقع بالتالي أن تخبو أزمة المحروقات في مناطق النظام مطلع نيسان/أبريل 2021 نتيجة ارتفاع درجات الحرارة لتعود مرة أخرى في تشرين الأول/أكتوبر 2021 على خلفية ارتفاع الطلب نتيجة لانخفاض درجات الحرارة.
وسوف تكون أزمة الغاز المخصص للطبخ أقل مقارنة ببقية أنواع الطاقة الأخرى، نظراً لأن الكميات المكتشفة مؤخراً في مناطق النظام، خاصة في حقول منطقة القلمون وريف حمص الشرقي، كبيرة نسبياً. ولكن المشكلة الرئيسية ستبقى في موضوع استثمار هذه المواد وتحويلها إلى منتجات قابلة للاستهلاك بسبب سوء البنية التحتية، ووجود إشكالات أمنية تتمثل في تزايد هجمات داعش في المنطقة.
هناك توجه واضح ربما يثمر في 2021 وهو الاعتماد على الطاقة البديلة، من طاقة شمسية وطاقة رياح، حيث دخلت ولا تزال تدخل إلى السوق السورية عدد من الشركات المتوسطة من حيث رأس المال في هذا المجال، ويمكن أن يقدم هؤلاء مشاريع جيدة في هذا الإطار.

سابعاً: الهجرة والديمغرافية السورية

كان عدد السكان في داخل سورية خلال عام 2020 حوالي 16 مليون نسمة، أي أن هناك حوالي سبعة ملايين سوري خارج البلاد، موزعين بين دول الجوار ودول الخليج وبقية العالم. ويعتقد أن ستة ملايين ممن هم داخل سورية يقيمون في مناطق خارجة عن سيطرة النظام.
ولا يُعتقد أن هذه التركيبة سيطرأ عليها تغييرات كبيرة في 2021، إلاّ في إطار المتواجدين في لبنان الذين سيستمر عددهم بالتناقص نتيجة للظروف الطاردة في البلاد، حيث سيعود بعضهم لمناطق النظام والبعض الآخر سيحاول الوصول لمناطق الشمال السوري، كما أن توقعات دخول مزيد من السكان السوريين من تركيا نحو الشمال السوري قائمة، حيث يتوقع أن يدخل ما يزيد عن 400 ألف نسمة خلال 2021، وهو عدد غير مسبوق في سنة واحدة.
من تبقى من الطبقة الوسطى وميسوري الحال في مناطق سيطرة النظام والشمال السوري سيتطلعون للخروج من البلاد في أقرب فرصة ممكنة، ولعل ما يمنعهم اليوم هو كورونا أكثر من أي شيء آخر، ولكننا نتوقع أن يخرج المزيد منهم بالعشرات في النصف الثاني من 2021، حيث يتوقع أن تبدأ موجة كورونا بالانحسار في معظم دول العالم. 
كما أن معدلات الوفيات في سورية ستبقى مرتفعة على خلفية انتشار الفايروس، وسوف تزيد بشكل ملحوظ في 2021، ولا يتوقع وصول الدفعات الأولى من اللقاح قبل الربع الأخير من 2021.
هكذا، وبناءً على الأحداث والأثار الناتجة عنها كما هو متوقع، والمذكورة أعلاه، يمكن أن يصبح لدينا تصور حول شكل المؤشرات الاقتصادية الرئيسية التي يمكن أن نذكر أبرزها وفق الآتي:
البطالة: التوقع الرئيسي للبطالة هو أنها ستنخفض نسبياً، حيث يسعى النظام لتوظيف المزيد من الأشخاص في القطاع الحكومي خاصة من الجرحى وأسر القتلى والمتضررين من الحرب، في ظل رغبة الأسد بتوسيع قاعدة الرضا بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية. 
كما يمكن أن يشهد الشمال السوري انخفاضاً في نسبة البطالة نتيجة لانخفاض الهجمات والصراعات وتمتع المنطقة باستقرار نسبي أطول من أي وقت سابق، وهو ما يمكن أن يساهم في إطلاق مشاريع، وبالتالي تحسين نسب التوظيف وتخفيض نسبة البطالة.
التضخم: الأسعار آخذة بالارتفاع منذ فترة بشكل كبير، وهو ما سيستمر بشكل واضح في 2021، ويتوقع أن ترتفع الأسعار طبقاً لانخفاض سعر الليرة أمام العملات الأجنبية، وكذلك الارتفاع في العرض النقدي نتيجة التوسع في الرواتب والنفقات الحكومية، وهو ما سيعني أن الرواتب الممنوحة وخاصة تلك الحكومية ستنخفض قيمها الحقيقية أكثر وستضعف القدرة الشرائية للسوريين في مناطق النظام بشكل أكبر منه في الشمال كون الشمال السوري بشقيه الغربي والشرقي مرتبط أكثر بسلع أجنبية مسعّرة بالدولار والليرة التركية، ويتم تداول هاتين العملتين بشكل واسع.
الفقر: مستويات الفقر بالأصل تعتبر مرتفعة في سورية، حيث تقدر بأكثر من 85%، ومع ذلك يتوقع أن ترتفع نسبة الفقر في عام 2021، وألا يتجاوز مستوى الخط العالمي للفقر سوى عدد قليل من السوريين.
الصادرات والواردات: التجارة الخارجية بالمجمل قد تتحسن بعض الشيء نتيجة لتوقيع عدة اتفاقات مع روسيا والتوجه نحو تحسين التجارة مع الصين والعراق ولبنان، ورغم أن الأوضاع الاقتصادية العامة في سورية ليست جيدة تماماً إلا أن الواردات قد تشمل مزيداً من السلع من المحروقات ومواد البناء وقطع السيارات وهي سلع غالية الثمن نسبياً، كما أن الصادرات ستبقى في إطار الخضار والفواكه وزيت الزيتون والقطن والبذور وغيرها من المكسرات والمواد الأولية.
كذلك قد نلاحظ ارتفاعاً في مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد على خلفية انتعاشها المتوقع، وانخفاض بنفس المستويات السابقة لكل من الصناعة والسياحة، مع زيادة في نسب التحويلات من الخارج إلى داخل سورية، وهو ما سيسهم في زيادة الناتج بشكل عام وتحسين جزئي لمستوى المعيشة، حيث أن التضامن يتوقع أن يكون أكبر من الأفراد السوريين الذين يعيشون في الخارج ولهم أقارب أو معارف في الداخل السوري.