تحت المجهر

حول قرار الانتربول الدولي رفع القيود عن النظام السوري وآثاره

تحت المجهر | حول قرار "الانتربول الدولي" رفع القيود عن النظام السوري وآثاره

 

أعلنت إدارة الأمن الجنائي العام التابعة للنظام السوري مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2021 رفع الحظر المفروض عليها من قبل منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، ليصبح بإمكان الإدارة في دمشق إرسال واستقبال الرسائل مباشرة مع الدول الأخرى الأعضاء في الإنتربول، بعد أن كانت القيود المفروضة تنص على تحويل الرسائل الواردة من طرف النظام لتخضع لتدقيق الأمانة العامة للإنتربول، ثم تقوم الأخيرة بإحالتها إلى الجهات التنفيذية المعنية بعد التحقق من التزامها بقواعدها.

وبناء على الإجراء الجديد سيكون الأمن الجنائي التابع للنظام قادراً على الدخول إلى قاعدة البيانات الخاصة بالإنتربول.

وأثارت الخطوة مخاوفَ تتعلَّق باستثمار النظام السوري لرفع القيود المفروضة عليه من قبل الإنتربول من أجل ملاحقة معارضيه في مختلف الدول.

وعلى الأرجح فإن الإجراء أتى بعد جهود دبلوماسية روسية، بالتنسيق مع بعض البلدان العربية التي اتخذت مؤخراً خطوات إضافية في مسار التطبيع مع النظام دون اعتراض الولايات المتحدة.

المكاسب التي سيحصدها النظام من هذا الإجراء يغلب عليها الطابع السياسي والإعلامي، فوسائل الإعلام التابعة له وللجانبين الروسي والإيراني سلَّطت الضوء على البعد السياسي للإجراء بشكل واسع، وأكَّدت على أنَّه مؤشر إضافي على "إنهاء عزلة دمشق" السياسية، وإقرار من المجتمع الدولي بالنظام، ويبدو أنَّ هذه الصورة هي الهدف الأساسي لموسكو أكثر من مسألة ملاحقة الخصوم.

ومن الناحية الفعلية، فثمة تعقيدات عديدة تحول دون استفادة النظام من الإجراء في عملية التضييق على معارضيه، ويمكن تلخيصها بالتالي: 

1- منظمة الإنتربول مختصَّة بالقضايا الجنائية دون السياسية.

2- الدول الأعضاء في الإنتربول غير ملزمة بتزويد الإنتربول بكل ما تملكه من معلومات، وبالتالي إدارة الأمن الجنائي التابعة للنظام ستتمكن من الوصول إلى المعلومات المتاحة فقط على قاعدة البيانات العامة، وليست المتوفرة لدى الأجهزة الأمنية للدول الأعضاء، وغالب الدول لا تتيح سوى قدر يسير من المعلومات على النظام العام للإنتربول، وتكون متعلقة بمطلوبين للدولة مقيمين في بلدان أخرى.

 

3- الدول الأعضاء في الإنتربول غير ملزمة باتخاذ إجراءات وتدابير حيال أيِّ بلاغٍ أو إشعارٍ يأتيها من الدول الأخرى الأعضاء، وأقصى ما يمكن أن تتعرَّض له في حال الرفض هو المعاملة بالمثل من الدولة صاحبة البلاغ الذي لم تتم الاستجابة له، على اعتبار أن نظام الإنتربول اتفاقية دولية لا مؤيد جزائي لها يجبر الأعضاء على التنفيذ، وتخضع فقط لمبدأ المعاملة بالمثل.

 

4- تنفيذ الدول الأعضاء في الإنتربول للبلاغات الواردة من النظام هو قرار خاص بكل دولة، وستتخذه وفق الاعتبارات التي تراها وتوافق مصالحها السياسية ومبادئها الحقوقية، والدول الراغبة بالتعاون أمنياً واستخباراتياً مع النظام، وسهلت تسليمه مطلوبين قامت بذلك قبل أن يتم رفع الحظر عن دمشق في الإنتربول على غرار لبنان.

 

5- القبض على المطلوبين الذين من المحتمل أن يدرجهم النظام على النشرة الحمراء للإنتربول يحتاج إلى صورة عن حكم قضائي رسمي صادر وفق أصول محاكمات واضحة، وسبق أن رفضت العديد من الدول الأعضاء في الإنتربول تنفيذ أحكام قضائية وصلتها من النظام لتصنيفها القضاء في سورية على أنَّه غير مستقل.

وعلى العموم فإنَّ النشرة الحمراء هي بمثابة إخطار، ولا ترقى إلى مذكرة توقيف، وأقصى ما يمكن أن يقوم به النظام ضدَّ معارضيه عن طريقة الإنتربول هو عرقلة سفرهم وتنقلاتهم؛ عن طريق ادعاء امتلاكهم لجوازات سفر مزورة وتعميم أرقامها، وهذا فعله سابقاً من خلال التنسيق الأمني الثنائي مع بعض الدول المرحبة بذلك دون حاجة للمنظمة الدولية.

ومن غير المستبعد أن يعمد النظام إلى تلفيق أحكام قضائية جنائية بحق معارضيه وإرسالها وتعميمها من خلال الإنتربول، لكنَّ استجابة الدول الأعضاء لطلباته مرهونة بموقف كل دولة، طالما أنَّ الاتفاقية غير ملزمة، خاصَّة وأن مصداقية الأجهزة الأمنية والقضاء السوري محل شك، وهي متهمة بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب، وليست جهات حيادية. وبناء عليه، فإنَّ الأثر الفعلي لإجراء الإنتربول الأخير هو أثر سياسي وإعلامي أكثر منه قانوني وإجرائي.

 

وحدة التحليل والتفكير - مركز جسور للدراسات

للإشتراك في قناتنا على التيليغرام اضغط هنا