تحت المجهر

ملامح ومُحدِّدات التحرك العسكري التركي المُرتقَب في سورية

تحت المجهر | ملامح ومُحدِّدات التحرك العسكري التركي المُرتقَب في سورية
 
صعّد المسؤولون الأتراك من تهديداتهم بشنِّ عملية عسكرية في شمال غرب سورية، منذ العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2021، إثر استهداف قاعدة للشرطة الخاصة التركية المتمركزة في "مارع" شمال حلب، بالإضافة إلى تساقُط قذائف مدفعية على مقاطعة "قرقميش" التابعة لولاية "غازي عنتاب".

وتُعتبر "تل رفعت" والقرى المُحيطة بها شمال حلب على رأس قائمة الأولويات التركية، بسبب قُربها من القواعد التركية المنتشرة في منطقة عمليات "درع الفرات"، ونتيجة القُرب من الشريط الحدودي أيضاً؛ ولأن السيطرة عليها تُتيح لأنقرة إعادةَ توطين عشرات الآلاف من النازحين المقيمين على الشريط الحدودي. وتُضاف "تل رفعت" إلى "عين عيسى" بريف الرقة ضِمن قائمة الأولويات.

إنَّ أيَّ تحرُّك عسكري تركي بحجم السيطرة على مُدن وبلدات إستراتيجية في سورية، يحتاج بطبيعة الحال إلى تفاهُمات سياسية مُمهِّدة له مع الأطراف الدولية الفاعلة.

ويمكن تحديد جملة من الملامح والمحدِّدات للتفاهُمات المُحتمَلة، التي قد تُهيِّئ الأجواء لعملية عسكرية تركية: 

1- رغبة أنقرة في إنهاء الهجمات التي تطال قواعدها العسكرية في سورية، وكذلك الأراضي التركية على اعتبار أنها تُشكِّل خطراً أمنياً، وباتت مُكلِّفة سياسيّاً بالنسبة لأنقرة.

2- من الصعب توقُّع عملية عسكرية تركية دون التنسيق المُسبَق مع الأطراف الدولية الفاعلة؛ لأن ذلك يفتح الاحتمالات على صِدام مُكلِّف سياسيّاً وحتى عسكريّاً مع القوات الأمريكية أو الروسية.

3-على الأرجح فإن روسيا لن تُوافِق على التوغل التركي البري في المزيد من المناطق الواقعة على الطرق الدولية والتجارية على غرار "تل رفعت"، المُتمَوْضِعة على الطريق الدولي "غازي عنتاب– حلب" الدولي، والأمر ذاته ينطبق على مدينة "عين عيسى" بريف الرقة.

4-عملت روسيا خلال الأشهر الماضية على زيادة الثقة بينها وبين "قسد"، في سياق محاولات إقناع الجانب الأمريكي بأن موسكو قادرة على تقديم الحماية للتنظيم في شمال شرق سورية، وبالتالي دفع واشنطن لمغادرة المنطقة، ومن الصعب أن نتوقع في الفترة الحالية انسحاباتٍ روسيةً من مناطق إستراتيجية بالنسبة لـ"قسد" على غرار "عين عيسى"، التي تُعتبر بمثابة عاصمة إدارية وأمنية لـ "الإدارة الذاتية".

5- من الممكن ألَّا تُعارِض روسيا سيطرة تركيا على بقعة جغرافية جديدة، كأَنْ تكون بالقرب من الحدود التركية، وغير مُتحكِّمة بالطرق التجارية، مقابل مكاسب اقتصادية قد تتمثل بتسهيل التبادل التجاري بين شمال غرب سورية ومناطق النظام السوري، أو عدم عرقلة تركيا للمَسار السياسي وَفْق الرؤية الروسية.

6-من المُستبعَد أن تُقدِّم تركيا تنازلاتٍ جديدةً في منطقة إدلب مقابل تفاهُمات بإطلاقها عملية عسكرية ضدّ "قسد"، وفي حال كان التفاهُم يضمن موافقة روسيا على سيطرة تركيا على مناطق إستراتيجية مثل "تل رفعت" و"عين عيسى" و"منبج"، فهنا من الممكن أن تُوافِق أنقرة على تنفيذ بروتوكول "5 آذار/ مارس 2020"، الذي ينص على تأسيس مَمرٍّ آمِن على ضفتَيْ طريق "m4"، أي إخلاء المَمرِّ من الفصائل العسكرية دون انسحاب تركي.

وبناءً على ما سبق، لا تُشير المعطيات الحالية إلى إمكانية حدوث تغيُّرات ميدانية كبيرة على المشهد السوري، وعلى الأرجح فإن أنقرة قد تفكر في بدائلَ مُرضِيَةٍ لها، كالعمليات الاستخباراتية التأديبية التي ستستهدف قيادات في "قسد" وحزب العمل الكردستاني متورِّطة في الهجمات على القواعد التركية، بالإضافة إلى انتظار تغيُّر الظروف السياسية بما يتيح لأنقرة تحقيقَ أهدافِها.

 

وحدة التحليل والتفكير - مركز جسور للدراسات

للإشتراك في قناتنا على التيليغرام اضغط هنا