مُترجَمات جسور

هل يمكن للتماسك الاجتماعي السوري البقاء "بدون الأسد"؟

هل يمكن للتماسك الاجتماعي السوري البقاء "بدون الأسد"؟

 

قال حافظ الأسد، قبل وفاته عام 2000، لابنه بشار: "لقد هيّأتُ لك البلاد لمدة عشرين عامًا". ماذا عنى حافظ بذلك؟ وما هي التداعيات على مستقبل سوريا الآن بعد أن بدأت الانتخابات الرئاسية تلوح في الأفق؟

تحكم سلالة الأسد سورية منذ 51 عاماً، فقد بدأ حكم الأب والابن في عام 1970، منها 30 عامًا في عهد حافظ، أعقبها ابنه بشار بـ 21 عام من الحكم، وإذا نجحت محاولة الأخير لإعادة انتخابه هذا الربيع، فإن عهده سيستمر حتى عام 2028، مما يمنحه 28 عامًا، هذا يعني أنه تقريباً سيلحق بركب أبيه فيما يخص المدة التي قضاها في السلطة.

كلاهما ترأس الشعب السوري الذي هو عبارة عن فسيفساء دينية وعرقية متعددة الطبقات. الغالبية 75٪ من السنة، 10٪ مسيحيون، 12٪ علويون، 3٪ دروز وأقليات أخرى. يُشكل الكُرد (الذين هم عموماً مسلمون سنّة) حوالي 10٪ من السكان، بينما الغالبية العظمى من العرب، مع مجموعات صغيرة من التركمان والشركس والآشوريين والأرمن. ومع ذلك، فقد أدت الحرب والنزوح إلى إحداث فوضى في هذه الأرقام في السنوات العشر الماضية.

تدّعي عائلة الأسد دائمًا بأنها علمانية وغير طائفية، ومع ذلك فإن هذا النسيج الاجتماعي الدقيق، الذي ظل قائماً منذ قرون قبلهم، تعرض لأضرار بالغة خلال السنوات الأربعين الأولى، وتمزق خلال آخر 10 سنوات من حكمهم، فقد أصبحت العضوية في حزب البعث الحاكم هي الطائفة الوحيدة التي لها أهمية - كانت اللازمة المكررة هي "إما أن تكون معنا أو ضدنا"- وبينما كان حافظ يضم بمهارة جميع الأديان في ذلك النسيج، بحيث لم تكن طائفته العلوية أقلية بارزة بشكل واضح، فإنّ بشار مارس ذلك ببراعة أقل مما جعل هذا النسيج المتراكب بعناية ينهار بالفعل.

بلد ممزق

الأوضاع المعيشية داخل سوريا أسوأ بكثير هذه الأيام مما كانت عليه قبل انتفاضة 2011، لا سيّما في المناطق التي يسيطر عليها النظام، والتي تمثل اليوم حوالي ثلثي البلاد، والثلث المتبقي مُقسم بين منطقة الحكم الذاتي التي يقودها الأكراد، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) - شرق الفرات، والتي لا تزال تسيطر على حقول النفط والغاز في البلاد، وجزء تسيطر عليه المعارضة في محافظة إدلب، بدعم قوي من تركيا. لقد تم تقسيم سوريا.

في كل منطقة من المناطق الثلاثة، توجد أنظمة تعليمية منفصلة وأنظمة قانونية وإدارية منفصلة للوثائق الأساسية مثل شهادات الزواج والولادة والوفاة، فضلاً عن صكوك الملكية. حتى أن هناك عملات منفصلة، حيث تستخدم إدلب الآن الليرة التركية الأكثر استقرارًا لتجنب انهيار الليرة السورية.

على الرغم من هذا الانقسام الواضح، فإن وسائل الإعلام الحكومية التابعة للأسد تؤكد على رسالة واحدة متسقة - أنه (الأسد) وحده القادر على توجيه دفة البلاد عبر مآسيها الحالية، وأن الأسد وحده هو القادر على تحرير السوريين من المتطرفين الإسلاميين و"الإرهابيين". 

يعتقد معظم العالم أن الحرب السورية قد انتهت وأن الأسد قد انتصر على أي حال، لكن قلة هم من يدركون أن داعش آخذة في الصعود مرة أخرى وأن العنف والوفيات مستمرة بشكل يومي، إذاً لقد هيمنت روايته الخاصة ونهايته السعيدة.

قبل الانتفاضة والحرب التي تلتها، كانت الليرة السورية مستقرة منذ سنوات بمعدل 50 ليرة سورية لكل 1 دولار، بينما وصلت قيمتها اليوم إلى 3000 ليرة سورية مقابل كل 1 دولار. وفي الوقت الذي لم تتمكن الحكومة من منع ارتفاع قيمة الدولار، أصدر مصرف سوريا المركزي ورقة نقدية جديدة بقيمة 5000 ليرة سورية، أي أكثر من ضعف أعلى فئة سابقة بقيمة 2000 ليرة سورية، اعترافًا منه بأن الضغوط التضخمية على الاقتصاد باقية. كلا الورقتان النقديتان من فئة (2000 و5000) محظورتان من قبل السلطات المحليّة في إدلب. ارتفعت تكلفة المعيشة بنسبة 93٪ في جميع أنحاء البلاد، بينما فشل الدخل في مواكبة ذلك الارتفاع مع تفشي التضخم والبطالة، الاقتصاد بأكمله في العناية المركزة بدون أمل يلوح في الأفق.

ومع ذلك، بينما يرزح 90٪ من سكان البلاد تحت خط الفقر، فإن ظهور جيل جديد من كبار رجال الأعمال في سوريا التي يسيطر عليها النظام بدأ بالبروز على مرأى الجميع. وبمجرد تعرضهم للعقوبات الغربية، يتم العثور على عملاء جدد للعمل كواجهة سرية للنظام ووكلائه.

النزوح والاضطراب

ما يقارب ثلث سكان سوريا - حوالي 6 ملايين شخص - فروا من بلدهم، ويعيشون الآن كلاجئين في دول الجوار (تركيا ولبنان والأردن)، مع حوالي مليون شخص وصلوا إلى أوروبا، غالبيتهم الساحقة من الرجال في سن التجنيد (18-42)، وقد ترك اللاجئون وراءهم سوق عمل غير متوازن، حيث يفوق عدد النساء عدد الرجال بأربعة أضعاف، مما أجبرهم على المشاركة في أدوار كانت تعتبر في السابق مجالًا للرجال. 

ارتفعت معدلات الطلاق، المنخفضة تاريخيًا، بنسبة 25٪، في عارضٍ آخر من أعراض للتصدع المجتمعي، حيث تنقسم العائلات بسبب مجموعة من القضايا، بما في ذلك الاختلافات السياسية والتحديات التي تواجه النظام الأبوي التقليدي. 

وتشير التقديرات إلى نزوح 6 ملايين آخرين داخليًا، في بعض الأحيان عدة مرات، لا سيما في محافظة إدلب. وهذا يعني أن ثلث السكان فقط لا يزالون يعيشون في نفس المنازل كما كان الحال قبل عام 2011.

ظهرت قصتان من داخل سوريا في الأسابيع الأخيرة تعكسان التطرفات المجتمعية. حيث يحكي أحدهم عن خادمات فلبينيات "تم بيعهن" من الإمارات إلى أسياد جدد في سوريا، وعائلات ثرية ذات علاقات جيدة مع رجال السلطة، حيث يتعرضن لسوء المعاملة والاغتصاب وغالبًا لا يحصلن على أجر، بينما تتعلق القصة الأخرى بأطفال يتضورون جوعاً ينظفون مقالب القمامة بحثًا عن الخردة، وهو ما يُظهر طرفي النقيض في السلّم الاجتماعي في سوريا.

في غضون ذلك، تحمي روسيا جميع جنودها المتمركزين حاليًا داخل سوريا من فيروس كورونا من خلال تطعيمهم بلقاح سبوتنك-V الذي أنتجته، أما المواطنون السوريون في مناطق سيطرة النظام عليهم الانتظار بلا موعد يلوح في الأفق، فيما تخبرنا وسائل إعلام سورية أنهم يثقون في اللقاح الروسي أكثر من لقاح فايزر أو أسترا زينيكا. وبالمثل، قام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بتطعيم جميع جنوده داخل مناطق قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر عليها الإدارة الكردية.

أعمال إعادة الإعمار القليلة التي تمّت داخل سورية كانت ذات بُعد سياسي للغاية. في حين أن العقوبات الغربية تجعل تحويل الأموال إلى البلاد شبه مستحيل. تمكنت الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الحكومية المسيحية بطريقة ما من توفير الأموال لتمويل إعادة بناء الكنائس المتضررة. في حمص، مقاعد مطلية حديثاً موجودة في الكنائس بجانب الضواحي السنية المدمرة. 

يظهر في سورية كل من الاستياء والانقسامات بشكل واضح، لكن الأسد، يحّول بؤس البلاد إلى ذريعة ليهاجم العقوبات الغربية وفيروس كورونا، ويتمسك بذلك الخطاب بقوة حيث تعزز صوره المنتشرة في كل مكان الرسالة القائلة - بأنه وحده يبقى منقذ البلاد.

الانتخابات القادمة

بينما يستعد الأسد للترشح، بدعم روسي ومجموعة من مديري وسائل الإعلام المعينين حديثًا، لفترة رابعة في الانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا، يبدو فوزه مضمونًا. 

لا شك في أنه سيسمح لشخصيات معارضة تم فحصها بالوقوف لتزيين الواجهة، لكن عقودًا من الاستبداد والقمع والاعتقالات من قبل أجهزته الأمنية المصممة على غرار جسم أخطبوطي بوليسي قد ضمنت عدم السماح لأي منافس معارض جاد بالعيش داخل الدولة، كما أن الدولة والقوانين الحالية تمنع أي شخص يعيش خارج سوريا من الترشح.

أسماء الأسد، زوجته، تولت مسؤولية جميع مبادرات المجتمع المدني تحت راية "الأمانة السورية للتنمية"، وهي مهيمنة أكثر من أي وقت مضى بعد أن تم تهميش منافسها رامي مخلوف وتجريده من أصوله. يبدو أنها وأطفالها، وخاصة الابن الأكبر حافظ، البالغ من العمر 17 عامًا، يهيئون أنفسهم بنشاط للقيادة، لمواصلة حكم السلالة.

لكن هناك شيء واحد يمكن قوله على وجه اليقين - أنه في ظل سبع سنوات أخرى من حكم بشار الأسد، ستزداد الانقسامات في المجتمع السوري، فقد استمرت مقاومته الشديدة للإصلاحات طوال السنوات الماضية في المحادثات غير المثمرة والنزاعات في جنيف، وهي المحادثات التي استقال خلالها كل من كوفي عنان أولاً، ثم الأخضر الإبراهيمي، ثم ستافان دي ميستورا كمبعوثين خاصين عينتهم الأمم المتحدة، وكذلك يرى غير بيدرسن، بعد عامين من توليه المنصب، أن الفشل يلوح في الأفق بدون "الإرادة السياسية". ويحذر قائلاً: "إذا تم ترك هذا الأمر للأمم المتحدة وحدها، فلن ننجح بإنجازه".

لا تزال التعددية الطبيعية في المجتمع السوري تخبو تحت السطح، وبمجرد أن يدرك الداعمون الخارجيون للأسد - روسيا وإيران وحزب الله - أن سوريا ليس لها مستقبل معه وهو على رأس السلطة لمدة سبع سنوات أخرى، ولا يوجد أي أفق أو أمل في التحسن، يمكن هندسة إزاحته بسرعة. لقد اكتمل اقتطاع أسهمهم وحصصهم من النفط والموارد المعدنية للبلاد، مما يعني أنه لم يعد مربحًا لهم مواصلة الاستثمار في الحرب السورية.
سبع سنوات أخرى مع الأسد على رأس القيادة ستضمن فقط تعميق الجراح في المجتمع السوري بينما يوجد فرصة بدونه لاستشفاء هذه الجراح. 

سيؤدي رحيله إلى فتح الطريق أمام الانتقال السياسي، وسرعان ما يتم رفع العقوبات، وستتدفق استثمارات إعادة البناء. سيعود ملايين اللاجئين، وسيتقلص نطاق التطرف، وسيكون العالم مكانًا أكثر أمانًا. 

ما هو السبب المحتمل الذي يمكن أن يبقى عليه في السلطة؟ فقد انقضت السنوات العشرين التي منحها له والده.

 

المصدر: معهد الشرق الأوسط
الكاتب: ديانا داركي
الرابط: 
http://bit.ly/2MiHtkC