التصعيد بين قسد والحكومة السورية إلى أين؟
يناير 10, 2026 492

التصعيد بين قسد والحكومة السورية إلى أين؟

حجم الخط

بسطت الحكومة السورية في 10 كانون الثاني/ يناير 2026 سيطرتها الكاملة على مدينة حلب، وأنهت وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حيَّي الشيخ مقصود (جبل السيدة) والأشرفية، والذي استمرّ 14 عاماً، منذ عام 2012 عندما شكّل حزب الاتحاد الديمقراطي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني جناحاً مسلّحاً تحت مسمَّى وحدات حماية الشعب (YPG) والتي أصبحت لاحقاً العمود الفقري لقسد.  

جاءت سيطرة الحكومة بعد تصعيد عسكري استمر منذ 6 كانون الثاني/ يناير 2026 عندما استهدفت قسد نقطة عسكرية تابعة للجيش السوري، إضافة إلى قصف مؤسسات رسمية وأحياء مدنيّة، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات تركزت في أحياء الأشرفية وبني زيد ومساكن الشقيف، وانتهت بمحاصرة ما تبقى من مجموعات قسد في حي الشيخ مقصود، ونتج عن ذلك التوصل إلى تسوية نصّت على انسحاب تلك المجموعات باتجاه شرق الفرات، غير أن هذا المسار تعثّر سريعاً نتيجة رفض قسد تنفيذ الاتفاق وامتناعها عن الانسحاب رغم وصول الحافلات المخصَّصة لذلك، مما دفع الجيش السوري لإطلاق عملية عسكرية مساء 9 من الشهر ذاته بغرض تمشيط حي الشيخ مقصود.  

لجوء الحكومة للخيار العسكري كان بعد 3 موجات من التصعيد بدأتها قسد في مدينة حلب، واستهدفت فيها المنشآت المدنية والحكومية، مما أسفر عن مقتل وجرح عدد من المدنيين والعسكريين، في إصرار على عدم الالتزام باتفاق 1 نيسان/ إبريل الذي ينصّ على انسحاب قسد عسكرياً نحو شرق الفرات والإبقاء على القوى الأمنية في مدينة حلب، وكذلك عدم الالتزام باتفاق 10 آذار/ مارس 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.  

تبدو فرص نقل التصعيد من مدينة حلب نحو جبهات دير حافر ومسكنة التي تبعد مسافةً لا تزيد عن 60 كم عن المدينة أكبر من إمكانية توسيع العمليات العسكرية انطلاقاً من جبهات شرق الفرات، سواءً في الرقّة أم دير الزور؛ حيث لجأت قسد في موجة التصعيد الأخيرة إلى استخدام وجودها العسكري في هذه المنطقة الواقعة غربي الفرات لممارسة مزيد من الضغط على الحكومة السورية؛ وأطلقت عشرات الطائرات المسيّرة الانتحارية لاستهداف الأحياء المدنية في حلب أثناء اندلاع المعارك في الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، مما قد يدفع الجيش السوري للتوجه نحو هذه المنطقة بعد الانتهاء من تمشيط أحياء حلب بالكامل، وشنّ عملية عسكرية تهدف إلى إخراج قسد بشكل كامل من غرب الفرات إلى شرقه، وإنهاء أي تهديد لمدينة حلب.  

كان واضحاً من عدم استسلام مقاتلي قسد في أحياء حلب وعدم قبول نقلهم إلى جبهات أخرى خارج المدينة سعيها إلى استدعاء الحماية الدولية والحشد الشعبي على نحو إثني، لكنها فشلت في ذلك؛ حيث كان سلوك الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي منضبطاً لدرجة قصوى في مراعاة القوانين المحلية والدولية الخاصة بالنزاعات، مما منع وقوع الانتهاكات والأخطاء، وبالتالي قلّص من قدرة قسد على تحريض الرأي العام، كما أنّ الموقف الأمريكي كان مخيباً لآمالها، إذ بدأ بالصمت ثم خرجت تصريحات من الرئيس دونالد ترامب ومبعوثه الخاص تتسم بالغموض، والذي يُفهم أكثر أنه يصبّ في دعم الحكومة.  

بعد حسم المعركة في مدينة حلب وتوجّه الحكومة لإنهاء التهديد القادم من مناطق سيطرة قسد في دير حافر، فإنّ دعوة الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار قد تترجمها الحكومة باستدعاء "خارطة طريق منبج" التي تم الاتفاق عليها بين أمريكا وتركيا منتصف عام 2018، أي في فترة رئاسة دونالد ترامب الأولى، والتي تضمنت إخلاء مناطق غرب الفرات من أي وجود لقسد، وبالتالي رفض أي تهدئة مع قسد قبل سحب قواتها من منطقة دير حافر ومسكنة باتجاه شرق الفرات.  

رغم خيبة أملها، لكنّ قسد لا بدّ أنها كانت تمتلك فهماً مسبقاً لما سيؤول إليه الموقف الأمريكي وغيره من الدول بشأن وجودها العسكري غرب الفرات. لذا قبلت بتوقيع اتفاق الأول من نيسان/ إبريل الذي ينص على خروج العناصر المسلحة من حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود، لكنها كانت تراهن على دعم إسرائيلي يمنحها خارطة طريق جديدة شرق الفرات مثل خارطة السويداء، ولهذا ماطلت في تطبيق اتفاق 10 آذار/ مارس، و1 نيسان/ إبريل.  

إنّ ذهاب قسد نحو خيار المواجهة العسكرية مع الحكومة دفعها إلى إنهاء مفاعيل اتفاق 1 نيسان/ إبريل، وهي غالباً لن تقبل بالعودة إلى المفاوضات على أرضية اتفاق 10 آذار/ مارس قبل إخلاء غرب الفرات بشكل كامل من وجودها لإنهاء التهديد الذي تُشكّله على مدينة حلب وغيرها، وهي غالباً لن تقبل بأي شروط تُسهم في حفاظ قسد على مشروعها السياسي والعسكري داخل أجهزة الدولة بحال استئناف المفاوضات مستقبلاً.  

عموماً، تعلم قسد أن مهمتها قتالية فقط، وتقتصر على مشاركتها في التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش بسبب عدم انخراط نظام الأسد في مكافحة الإرهاب ومع سقوطه وانضمام الحكومة السورية الجديدة للتحالف الدولي فقد انتهت جميع الذرائع الموجبة لاستمرار قسد، وبذلك سيظهر أن الدول الداعمة لها ستدعم بالمثل إنهاء هذه القوات وحلّها، وترك طريقة إدماجها في القوات الحكومية لقرار الدولة السورية، كما تعلم قسد أنه ليس هناك أيّ جهة دولية -عدا إسرائيل- تدعم تحوُّلها إلى مشروع سياسي وإنشاء منطقة إدارة ذاتية.