التعامل مع الإعلان الدستوريّ في سوريا
Apr 04, 2026 291

التعامل مع الإعلان الدستوريّ في سوريا

Font Size

تعرّض الإعلان الدستوري السوري منذ صدوره في 13 آذار/ مارس 2025، لانتقادات عديدة بشأن التزام السلطة التنفيذية بتطبيقه، حيث برز تساؤُل جوهري حول تحوُّل هذا الإعلان من مرجع ضابط ومقيّد للسلطة التنفيذية إلى أداة "طيّعة" في يدها، مما يثير مخاوف من تفريغ المرحلة الانتقالية من محتواها. 

ثمّة ما لا يقل عن 24 حالة عدم التزام من السلطة التنفيذية بالإعلان الدستوري، أحدها قطعي وواضح، والبقية راجحة على القراءة الحرفية لنصوص المراسيم التي أصدرتها السلطة التنفيذية، رغم أنّ الإعلان الدستوري لم يمنح السلطة التنفيذية صراحة سلطة إصدار مراسيم تشريعية أصلية تحلّ محلّ السلطة التشريعية (مجلس الشعب) الذي لم يلتئم بعدُ، أيْ أنّ كل مرسوم صادر منذ ذلك الحين وأنشأ قواعد عامة جديدة، أو عدّل قانوناً نافذاً، أو أنشأ هيئات وشركات وأنظمة عامة من تلقاء نفسه يُعَدّ تجاوزاً للإعلان الدستوري. 

السياق الوظيفي وانحراف الممارسة 

يفترض القانون الدستوري أنّ الإعلان الانتقالي هو إطار لضبط الصلاحيات وحماية الحقوق حتى إقرار الدستور الدائم. إلا أنّ الممارسات العملية تكشف أحياناً عن نمط من التطبيق الانتقائي للدستور؛ حيث يتم تفعيل النصوص التي تمنح الشرعية الإجرائية للسلطة، مقابل تعطيل أو إرجاء النصوص التي تفرض التزامات رقابية أو تحدّ من هيمنة السلطة التنفيذية. 

غياب السلطة التشريعية، خيار سياسي أم ضرورة مرحلية؟ 

يمثل استمرار غياب مجلس الشعب أو السلطة التشريعية القصور الأبرز في العملية السياسية المنصوص عليها بالإعلان الدستوري؛ حيث إن هذا الغياب يتجاوز كونه عائقاً تقنياً ليصبح إشكالية بنيوية تؤدي إلى: 

●  اختلال ميزان القُوى؛ عبر بقاء السلطة التنفيذية في حالة هيمنة دون رقابة تشريعية فاعلة. 

● تآكُل مبدأ سيادة الدستور؛ حيث تُصاغ السياسات العامة والتشريعات بمعزل عن الإرادة الشعبية الممثَّلة برلمانياً. 

● تعطيل الحدّ الأدنى لوظيفة السلطة التشريعية؛ حيث إن المطلوب ليس نموذجاً مثالياً، بل هيكلاً تشريعياً يمتلك القدرة على الإنجاز والرقابة، بما يتناسب مع المرحلة الانتقالية. 

تآكُل القوة الإلزامية للنصّ الدستوري 

تكمن المشكلة عندما تفرض الضرورات السياسية قيوداً لا تنسجم مع مصالح السلطة التنفيذية أن يتم تجاوز النص أو تعطيله أو تأويله بما يتوافق مع متطلبات القرار السياسي. ويؤدي هذا الانفصال بين النص الدستوري والممارسة السياسية إلى تقويض مبدأ سُموّ الدستور، وتحويل القاعدة الدستورية إلى إطار شكلي يفتقر إلى القوة الإلزامية الفعلية، بينما يُفترض أن النص الدستوري هو المرجعية القانونية التي تُضفي الشرعية على القرارات السياسية دون تجاوزها. 

التداعيات والأخطار السياسية 

إن استمرار هذا النهج يحمل في طيّاته أخطاراً جسيمة، أبرزها: 

● أزمة الثقة العامة؛ عبر تآكل إيمان الفاعلين السياسيين والمجتمعيِّين بجدوى الاحتكام للقانون. 

● تكريس منطق الأمر الواقع؛ بإحلال القوة السياسية محلّ الشرعية القانونية، مما يهدد استقرار الدولة على المدى الطويل. 

● إنشاء سابقة في التعامل مع الدستور؛ عبر أن هذا التعامل في المرحلة الانتقالية مع نصوص الإعلان الدستوري سيُشكل سابقة وأساساً يُبنى عليه في التعامل مع نصوص الدستور النهائي، مما يُعرّضه لخطر التعرّض بدوره للخروقات. 

خُلاصة 

ثَمّة ضرورة وطنية تتطلب تجاوز الرؤية الوظيفية للإعلان الدستوري، والتعامل معه كالتزام قانوني وأخلاقي غير قابل للتجزئة. وإن الإعلان الدستوري يفقد قيمته الحقيقية حين يُختزل إلى أداة للتبرير لا أداة للتقييد، وذلك لا يتم إلا بإرادة سياسية حقيقية تلتزم بروح النص، وإلا يبقى بناء الدولة الدستورية رهيناً لمصالح وطنية مؤقتة بعيداً عن سيادة القانون. 

لذلك، يُمثّل الإسراع في استكمال البناء المؤسسي ضرورة ملحّة، وتحديداً السلطة التشريعية، لضمان حد أدنى من توازن السلطات، وتقييد ممارسات السلطة التنفيذية عن التفسير المنفرد؛ عبر تفعيل رقابة قضائية أو دستورية مستقلة تمنع التأويل غير المنضبط للنصوص. وبالتالي، الانتقال إلى الشرعية الإنجازية؛ عبر الالتزام بالمواعيد والاستحقاقات التي نص عليها الإعلان الدستوري نفسه. 


 

Researchers