سيناريو التدخُّل السوريّ في لبنان
Jun 13, 2026 327

سيناريو التدخُّل السوريّ في لبنان

Font Size

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 7 حزيران/ يونيو 2026، النقاش حول سيناريو التدخُّل السوري في لبنان، بعدما ألمح إلى إمكانية الاستفادة من دور سوريا في التعامل مع حزب الله، وذلك بعد أشهُر من نفي المبعوث الأمريكي توماس برّاك التقارير التي تحدثت عن تشجيع واشنطن لدمشق على إرسال قوات إلى لبنان.

تتزامن إعادة طرح سيناريو تدخُّل سوريا في لبنان مع ضغط متزايد على حزب الله لإعادة تعريف موقعه داخل الدولة اللبنانية، بسبب رفضه بشكل قاطع لأيّ مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، حيث يعتبر أن التفاوض "تحت النار" أو إبرام أيّ اتفاقيات تسوية يُمثّل "انتحاراً سياسياً". كما يتزامن ذلك مع حصر سلاح الفصائل الموالية لإيران بيد الدولة العراقية، وتسارُع بعض الأذرع الإيرانية إلى نقل أسلحتها من أماكنها السرية إلى مخازن الجيش العراقي، ولا سيما "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي"، في ظلّ حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن قدرة إيران على الصمود، وضبابية مصير شبكات النفوذ التي أنشأتها في المنطقة حال تعرُّضها لهزّة إستراتيجية كبرى.

كما أن الولايات المتحدة تنظر إلى حزب الله بوصفه الحلقة الأبرز المتبقية ضِمن شبكة النفوذ الإيراني الإقليمية، في حين لا يزال لبنان يُمثّل في نظر قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية أحد أهم مكونات العمق الإستراتيجي للنظام الإيراني في المنطقة.

رغم طرح سيناريو اضطلاع سوريا بدور في لبنان، لم تُصدر دمشق حتى الآن أيّ مواقف رسمية تؤيد أو تنفي ذلك. غير أن استمرار نفوذ حزب الله وشبكاته ما يزال يُشكّل أحد التحدِّيَات الأمنية التي تواجه الحكومة السورية الجديدة في سعيها لترسيخ الاستقرار الداخلي؛ إذ حمّلت وزارة الداخلية الحزب مسؤولية المساهمة في زعزعة الأمن داخل البلاد وإعادة تنشيط بعض الشبكات والميليشيات المرتبطة بإيران، وأعلنت إحباط ما لا يقل عن 6 محاولات لتنفيذ هجمات من قِبل خلايا مرتبطة بالحزب خلال النصف الأول من عام 2026.

في المقابل، نفى حزب الله مسؤوليته عن الخلايا والهجمات التي أعلنت سوريا إحباطها، مؤكداً أنه لا يملك أيّ نشاط أو ارتباط أو وجود داخل الأراضي السورية، ومحذِّراً من محاولات دفع العلاقات "السورية – اللبنانية" نحو التوتر. وعلى المستوى الرسمي، لم يَصدر عن بيروت موقف يطلب أو يرحب بأيّ دور عسكري سوري داخل لبنان، بينما اتخذت الحكومة اللبنانية خلال الأشهر الماضية موقفاً أكثر تشدُّداً تجاه النشاط الأمني والعسكري لحزب الله، إذ أعلن رئيس الحكومة نواف سلام، في آذار/ مارس 2026، حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب وحصر دوره بالعمل السياسي، مع تكليف الجيش بتنفيذ خطة لحصر السلاح بيد الدولة شمال نهر الليطاني. كما شدد الرئيس جوزيف عون على أن قرار حظر النشاط العسكري للحزب قرار سيادي ونهائي.

تبدو سوريا حريصة على تجنُّب الانزلاق إلى أيّ تدخُّل عسكري مباشر داخل لبنان، مع تركيزها على تشديد الضبط الأمني على الحدود ومنع حزب الله أو الشبكات المرتبطة به من استخدام الأراضي السورية في نقل السلاح أو إعادة بناء البنى العسكرية والأمنية. لكن هذا الحرص لا ينفي سيناريو التدخُّل، الذي يبقى مرهوناً باستمرار التهديدات الأمنية المرتبطة بالحزب داخل سوريا أو عَبْر الحدود "السورية – اللبنانية"، وبمحاولات استخدام الأراضي السورية من قِبل حزب الله أو وكلاء إيران كمنصة لنقل السلاح أو إعادة تنشيط شبكات عسكرية وأمنية تهدد الاستقرار الداخلي.

كما يرتبط هذا السيناريو بمدى اقتناع الولايات المتحدة بقدرة سوريا على ضبط الحدود ومنع الأنشطة المرتبطة بالحزب، وبمدى نجاح الحكومة اللبنانية في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة وحظر نشاطه العسكري. وفي حال تعثُّر الجهود اللبنانية في هذا المجال، واستمرار المخاوف الأمريكية من نشاط الحزب وشبكات النفوذ الإيرانية، فقد تزداد الضغوط أو المطالبات الموجَّهة إلى سوريا للقيام بدور في لبنان، وهو إنْ حصل فسيكون وَفْق أحد الاحتمالين:

سيناريو التدخُّل الجراحي، وَفْق وصف ترامب، على المدى القريب أو المتوسط، ويقوم على تنفيذ عمليات أمنية أو عسكرية محدودة داخل الأراضي اللبنانية، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية وبدعم أمريكي، تستهدف شبكات تهريب السلاح أو الخلايا والمواقع التي تعتبرها دمشق مرتبطة بتهديد الأمن السوري أو بإعادة تنشيط النفوذ الإيراني عَبْر الحدود. ويهدف هذا السيناريو إلى معالجة تهديدات محدَّدة مع محاولة حصر العملية ضِمن نطاق جغرافي وزمني ضيق، وتجنُّب تحويلها إلى مواجهة مفتوحة مع حزب الله أو تورُّط سوري طويل الأمد في لبنان، رغم أنّ هذا الاحتمال يبقى قائماً في حال ردّ الحزب أو توسُّع نطاق الاشتباك.

سيناريو التدخُّل الواسع، على المدى المتوسط، في حال فشل الإجراءات المحدودة في احتواء التهديدات المرتبطة بالحزب، أو استمرار استخدام الأراضي اللبنانية لإعادة بناء شبكات النفوذ الإيرانية واستهداف الأمن السوري. وفي هذه الحالة قد يتطور الدور السوري، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية وبدعم أمريكي، إلى عمليات عسكرية أوسع تتركز بصورة رئيسية في مناطق انتشار الحزب القريبة من الحدود السورية، لا سيما في البقاع، بهدف تفكيك البِنْية العسكرية واللوجستية التي يُعتقد أنها تُمثّل مصدر التهديد الأساسي لدمشق.

في المحصِّلة تبدو دمشق أكثر حرصاً على مواصلة سياسة الضبط الأمني على الحدود ومعالجة التهديدات المرتبطة بحزب الله داخل الأراضي السورية، مع تجنُّب الانخراط المباشر في الساحة اللبنانية. غيرَ أن استمرار هذه التهديدات، مقروناً بضغوط أمريكية محتمَلة وتعثُّر الجهود اللبنانية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، قد يدفع سوريا إلى إعادة النظر في هذا الموقف. وفي هذه الحالة، يبدو سيناريو التدخُّل المحدود والمحدَّد الأهداف أكثر ترجيحاً من خيارات المواجهة الواسعة، لانخفاض كلفتها السياسية والأمنية مقارنة بالبدائل الأخرى.