القواعد العسكرية الروسية في سوريا
فبراير 23, 2026 203

القواعد العسكرية الروسية في سوريا

حجم الخط

تمهيد            

شهد الوجود الروسي تحوُّلاً كبيراً في سوريا بعد سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، حيث انسحبت معظم القواعد والنقاط العسكرية الروسية من الخريطة السورية بعد أن كانت تمتد في جميع المحافظات ضمن الجغرافيا التي كانت تحت سيطرة نظام الأسد، وفي بعض المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرق البلاد.            

مع انحسار مناطق سيطرة قسد وتقدُّم القوات الحكومية باتجاه الحسكة مطلع عام 2026 خرجت القوات الروسية من مطار القامشلي الدولي شمال شرق محافظة الحسكة، ليصبح الوجود العسكري الروسي بذلك منحصراً في قاعدتين عسكريتين فقط في الساحل السوري.            

أقرّت روسيا في 18 شباط/ فبراير 2026 على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف بأنه لم يتبقَّ في سوريا سوى قاعدتَيْ طرطوس وحميميم، وسط استمرار المناقشات حولهما مع الحكومة السورية، التي تهتم بالحفاظ على الوجود الروسي في سوريا، واعتبار ذلك عامل تثبيت ودور يوازن تأثير الفاعلين الآخرين، في تلميح إلى الوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي والتركي على الأراضي السورية.            

لم تَعُد القواعد الروسية عسكرية بَحْتة في سوريا -حسب وزير الخارجية سيرغي لافروف- وذلك كما كان الحال قبل كانون الأول/ ديسمبر 2025، وتزعم روسيا أن قواعدها تُعَدّ حالياً مرافق جاهزة للتحول إلى مراكز إنسانية، وأن سوريا هي نقطة عبور مناسبة للمساعدات الإنسانية إلى إفريقيا عَبْر هذه المنشآت، وأن روسيا ستكون سعيدة إذا استفادت دول أخرى أيضاً من هذه المنصات لإرسال شحنات إنسانية ومدنية أخرى إلى القارة الإفريقية [1]        

أولاً: توزُّع القواعد العسكرية الروسية في سوريا            

كان عدد القواعد والنقاط العسكرية الروسية منتصف عام 2024 قد بلغ 114 قاعدة ونقطة عسكرية [2] ، موزعة في جميع المحافظات السورية، لكن بشكل أكبر في حماة واللاذقية والحسكة والقنيطرة وحلب، ثم في الرقة ودير الزور ودمشق وريفها.            

كان التوزيع الواسع يشمل النقاط الأمنية والعسكرية واللوجستية، التي تشغلها قوات حكومية روسية أو متقاعدون من المجموعات الأمنية، بينما كان يعتمد الجيش الروسي على قواعد رئيسية في سوريا أهمها: قاعدة طرطوس البحرية، وقاعدة حميميم الجوية، وقاعدة مطار حماة العسكري، وقاعدة مطار القامشلي الدولي، ومطار الشعيرات في حمص، ومطار كويرس في حلب.            

مع التغيرات الميدانية الواسعة التي أحدثتها معركة "ردع العدوان" نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 والتي أذنت بسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 انحسرت القواعد والنقاط الروسية لتبقى في 3 قواعد عسكرية فقط خلال عام 2025.            

نهاية عام 2025، بدأت المواجهات العسكرية بين الحكومة السورية وقسد، وامتدت من مدينة حلب إلى ريفها الجنوبي الشرقي ثم الرقة ودير الزور وريف حلب الشمالي الشرقي، ومع وصولها إلى محافظة الحسكة في كانون الثاني/ يناير 2026 بدأت القوات الروسية الانسحاب من مطار القامشلي الدولي ونقل الجنود والمعدات إلى الساحل السوري، لترسم خريطة شباط/ فبراير 2026 انحسار الوجود العسكري الروسي في موقعين فقط هما: قاعدة حميميم الجوية، وقاعدة طرطوس البحرية. لتكون القوات الروسية قد فككت وسحبت منذ سقوط نظام الأسد 112 قاعدة ونقطة عسكرية لها في سوريا كانت تنتشر في جميع محافظات البلاد.            

             

خريطة-2026--القوات-الروسية-14.jpg (1)
 

ثانياً: طبيعة المهام العسكرية الروسية في سوريا            

ساندت القوات الروسية نظام الأسد على مستوى الدعم العسكري اللوجستي والتقني منذ عام 2011، لكن على مستوى التدخل العسكري الرسمي المباشر بدأت روسيا إدخال قواتها العسكرية والأمنية إلى سوريا نهاية أيلول/ سبتمبر 2015.            

تولّت القوات الروسية حماية نظام الأسد من السقوط واستمرار خسارته للمناطق، وخاض الجيش الروسي بشكل مباشر معارك ضد فصائل المعارضة السورية المسلحة، وكان لسلاح الجو الروسي دور كبير في تدمير المدن والقرى التي كانت خارج سيطرة نظام الأسد.            

اعتمدت روسيا على ضباط الجيش الروسي وفِرَقها العسكرية الحكومية لتنفيذ عمليات القصف والغارات الجوية ووضع الخطط العسكرية للمعارك التي كان يقودها الضباط الروس، بينما يزج فيها على أرض الميدان مجموعات من عناصر نظام الأسد التي أصبحت موالية للقوات الروسية، إلى جانب مجموعات أمنية ومرتزقة متعددي الجنسيات.            

تولت القوات الروسية أيضاً بعض المهام السياسية المجتمعية في سوريا، أهمها عقد التسويات والمصالحات المحلية بين الفصائل المسلحة والقوات العشائرية من جهة ونظام الأسد من جهة أخرى، وكانت الشرطة العسكرية الروسية هي الفاعل الأساسي في هذه الإجراءات إلى جانب ضباط الجيش والاستخبارات الروسية.            

حرصت روسيا بعد عام 2018 على الانتقال من دور الداعم لأحد أطراف الصراع إلى دور الوسيط، ومع أنّ روسيا بقيت سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً داعمة لنظام الأسد حتى آخِر يوم قبل سقوطه فإنها على المستوى الرسمي كانت تقدم نفسها وسيطاً بين مختلف الأطراف في سوريا، على مستوى داخلي من خلال المصالحات والتسويات والتفاهمات بين نظام الأسد وقسد، وبين نظام الأسد والمعارضة السورية بالتنسيق مع تركيا عبر مسار أستانا، وعلى مستوى خارجي من خلال نقاط المراقبة التي نشرتها القوات الروسية جنوب البلاد بعد انسحاب القوات الإيرانية من بعض مواقعها خلال عام 2024.            

استمرّ الدور التقليدي للقوات الروسية في سوريا مع الدور العسكري الجديد بعد 2015، حيث بقيت روسيا مصدر التسليح والتذخير والتدريب العسكري، والمستثمر الرئيسي في الفوسفات والنفط والغاز ومرافقها.            

مع انطلاق معركة ردع العدوان نهاية عام 2024 حاولت القوات الروسية مؤازرة قوات نظام الأسد وتدارُك انهيارها السريع في حلب، لكن كانت روسيا مستنزَفة بشكل كبير في حربها مع أوكرانيا، وربما كانت تنظر باستياء وخيبة إلى الانهيار الداخلي في صفوف قوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية المساندة له، وبالتالي لم تبذل المزيد من الكلفة العالية في التغطية الجوية دون وجود قوات قادرة على الصمود على الأرض، وأصبح خيارها الأفضل الدخول في تفاهمات جديدة مع تركيا وباقي القوى الإقليمية والدولية، ليتحول الموقف الروسي من دعم نظام الأسد إلى مساهم رئيسي في إخراجه من المشهد السوري.            

خلال عام 2025 ساهم الوجود العسكري الروسي بدور سلبي رغم اللقاءات المتتالية مع الحكومة السورية والحوارات المبنية على فتح صفحة جديدة عنوانها التعاون بين البلدين، حيث تمثّل الدور السلبي الروسي في جعل القواعد العسكرية ملجأ لضباط نظام الأسد الفارين، والذين كان لهم دور في تحريك الفوضى في الساحل السوري ووسط البلاد، لكن يُعتقد أن هذا الدور تضاءل مع قدرة الحكومة السورية على مواجهة التحدِّيَات بدعم سياسي إقليمي ودولي.            

ثالثاً: الانسحاب العسكري الروسي من سوريا            

أعادت القوات الروسية تموضعها العسكري أكثر من مرة منذ تدخُّلها العسكري المباشر في سوريا عام 2015، فكانت القوات الروسية تزيد من نقاطها وقواعدها وتفاعُلها العسكري باستمرار حتى دخولها في الحرب مع أوكرانيا عام 2022، حيث دخلت روسيا في النصف الثاني من عام 2022 وخلال عام 2023 في حالة استنزاف كبيرة أدت إلى انسحابات روسية من بعض القواعد والنقاط العسكرية، مع تخفيض كبير في أعداد الضباط والجنود وحتى المرتزقة، وسحب عدد كبير من السلاح والعتاد من سوريا إلى جبهات القتال في أوكرانيا.            

عام 2024 أعادت روسيا انتشارها جنوب سوريا بمجموعة من النقاط خاصة في محافظة القنيطرة، ضمن ما يشبه قوات الفصل بالتنسيق مع إسرائيل بعد أن أصبحت مناطق سيطرة نظام الأسد جنوب سوريا محكومة بشكل كامل من قوات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني.            

مع انطلاق معركة ردع العدوان شمال غرب البلاد كانت حلب تحت النفوذ الإيراني بشكل كامل، حيث كانت القوات الروسية قد سحبت الكثير من نقاطها العسكرية من حلب ومحيط إدلب بعد الحرب مع أوكرانيا، ومع تقدُّم المعارك بعد حلب بدأت مباشرة القوات الروسية الانسحاب من القواعد والنقاط باتجاه الساحل السوري في قاعدة حميميم باللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية، إضافة لقوات انسحبت بشكل مباشر خارج سوريا، (إلى روسيا وإلى ليبيا)، بينما تجمعت النقاط العسكرية الروسية التي كانت في مناطق سيطرة قسد في مطار القامشلي الدولي الذي بقيت فيه القوات الروسية حتى مطلع عام 2026.            

رابعاً: مستقبل الدور العسكري الروسي في سوريا            

بقيت القواعد العسكرية الروسية في سوريا مسار مفاوضات بين الحكومتين السورية والروسية طوال عام 2025، وبنداً رئيسياً من برنامج زيارتَي الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، والزيارات المتبادلة على مستوى مسؤولي الخارجية والدفاع والاستخبارات للبلدين التي حصلت خلال العام ذاته.            

تحاول روسيا جاهدة الحفاظ على دور أمني وعسكري لها في سوريا، ليس فقط من خلال القاعدتين الرئيسيتين في الساحل السوري، بل بفرصة أن يكون لها نقاط عسكرية مرة أخرى في جنوب سوريا من خلال دور الوساطة الذي تعمل عليه بين الحكومة السورية وإسرائيل، حيث تطمح القوات الروسية أن تكون في المستقبل جزءاً من قوات مراقبة الاتفاق الأمني المتوقع مع الجانب الإسرائيلي، أو جزءاً من قوة مراقبة اتفاق فض الاشتباك في الجولان (1974)، التي يطالب الجانب الإسرائيلي باستبدال جنسيات الدول الأعضاء فيها، ورفع مستوى العناصر المشاركين فيها.            

بالعودة إلى الواقع العسكري الذي ترسمه خريطة الوجود الروسي في الربع الأول من عام 2026 فإن موسكو ستعمل جاهدة على إبقاء قاعدتها في طرطوس بشكل أساسي وستحاول جاهدة الإبقاء على قاعدة مطار حميميم في اللاذقية، وذلك من خلال الوصول لتفاهمات مع الحكومة السورية التي ستبقى بحاجة التسليح والصيانة من روسيا، ومن خلال محاولات إعادة تعريف طبيعة وجودها في القاعدتين لتحويله إلى وجود مدني وإنساني ولوجستي مصاحب للوجود العسكري ومخفف له.            

من غير المتوقع أن تستسلم روسيا لانسحابها العسكري من قاعدة طرطوس، لما لهذه القاعدة من أهمية إستراتيجية على مستوى النفوذ الروسي في العالم، فهذه القاعدة شرق المتوسط هي الوجود العسكري الوحيد لروسيا في البحر الأبيض المتوسط، وهي القاعدة الوحيدة القادرة على تأمين الوجود الروسي في إفريقيا والبحر الأحمر، ودون قاعدة طرطوس لن تكون روسيا قادرة على مد نفوذها خارج محيطها الإقليمي المتمثل بما كان يعرف بدول الاتحاد السوفياتي.            

أهمية الوجود العسكري الروسي في سوريا سيجعل موسكو أكثر تفاعلاً في دعم الحكومة السورية، ودفعها لتبني علاقات ثنائية على أساس تبادُل المصالح، مع مراعاة التحول الكبير الذي حصل على مستوى سوريا والمنطقة، والذي لن يسمح بشكل العلاقة مع سوريا مجدداً كما كانت فترة حكم حافظ الأسد وبشار الأسد.              

خُلاصة            

انسحبت معظم القواعد والنقاط العسكرية الروسية بالتزامن مع سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، وكان الوجود الأمني والعسكري الروسي قد انتشر قبل ذلك في جميع المحافظات السورية ضِمن مناطق سيطرة نظام الأسد ومناطق سيطرة قسد.            

خلال عام 2025 اقتصر الوجود الروسي العسكري على 3 قواعد عسكرية رئيسية بعد أن كان عدد القواعد والنقاط العسكرية الروسية منتصف عام 2024 قد بلغ 114 قاعدة ونقطة.            

بدأت روسيا إنشاء المزيد من القواعد والنقاط العسكرية والأمنية في سوريا منذ تدخُّلها العسكري رسمياً في أيلول/ سبتمبر 2015، وكان التدخل الروسي عاملاً رئيسياً في تغيير الميزان العسكري لصالح نظام الأسد، حيث شاركت القوات الروسية لا سيما سلاح الجو في قصف المدن والقرى الخارجية عن سيطرة الأسد، وصولاً إلى إدارة القوات الروسية للتسويات والمصالحات التي كانت تهدف من خلالها لمحاولة الحصول على منتج سياسي يكون ثمرة التدخل العسكري، لكن العقوبات الغربية على سوريا ثم الاستنزاف الذي عانت منه روسيا في حربها على أوكرانيا، ثم العبثية التي تصرفت بها إيران في سوريا والمنطقة وصولاً إلى سقوط نظام الأسد.. كل ذلك حرم روسيا من أي حصيلة أو فائدة استثمارها الطويل والمكلف في نظام الأسد.            

مع انحسار مناطق سيطرة قسد مطلع عام 2026 سحبت القوات الروسية قاعدتها في مطار القامشلي الدولي لينحصر الوجود العسكري الروسي في سوريا بقاعدتين رئيسيتين على الساحل السوري، هما: قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية.            

تكتسب قاعدة طرطوس البحرية أهمية تتجاوز الوجود الروسي ودوره في سوريا إلى أهمية على مستوى حضور موسكو عسكرياً في البحر المتوسط ووجود قواتها في إفريقيا والبحر الأحمر، وعليه ستكون روسيا حريصة على تفاهمات مع الحكومة السورية تضمن بقاءَها في الساحل السوري، ومحاولة أخذ دور يدعم ذلك ويعطيها فرصاً أكبر من خلال نقاط المراقبة ومساهمتها في القوات المشتركة، التي يمكن أن يتم الاتفاق عليها على الحدود مع إسرائيل.            

 


 

[1]   انظر: مقابلة مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على قناة العربية – موسكو 18 شباط/ فبراير 2026، موقع وزارة الخارجية روسيا الاتحادية، 18/02/2026.              الرابط            

[2]    انظر: خريطة المواقع العسكرية للقوى الخارجية في سوريا منتصف 2024، موقع مركز جسور للدراسات، 02/07/2024.              الرابط            


 

الباحثون