تأخُّر مجلس الشعب السوري.. الأسباب والتداعيات
مايو 23, 2026 463

تأخُّر مجلس الشعب السوري.. الأسباب والتداعيات

حجم الخط

تمهيد 

منذ مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 أعلنت "اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب" في سوريا القرار رقم 79 لعام 2025 المتضمن النتائج النهائية لانتخابات أعضاء المجلس في الدوائر الانتخابية المقررة في المحافظات السورية [1]

كان متوقَّعاً الإعلان عن الثلث المعيَّن من رئيس الجمهورية، ثم الانتقال لعقد الجلسة الأولى للمجلس قبل نهاية عام 2025؛ بناء على الاهتمام الحكومي بتنفيذ الانتخابات دون انتظار المحافظات الثلاث غير المستقرة تحت سيطرة الحكومة في ذلك الوقت وهي الرقة والحسكة والسويداء، حيث أعلنت اللجنة تأجيل الانتخابات فيها نظراً للتحديات الأمنية [2]

بعد التفاهمات التي قامت بها الحكومة السورية مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تم استكمال انتخابات باقي المناطق شمال سوريا وشمال شرقها خلال النصف الأول من عام 2026، بالتزامن مع تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع من مؤتمر أنطاليا في تركيا بأن نهاية نيسان/ إبريل 2026 سيكون موعد  الجلسة الأولى للبرلمان [3] ، لكن حساسية الانتخابات في محافظة الحسكة المرتبطة بحساسية تنفيذ الاتفاق مع قسد حالت دون عقد الجلسة الأولى للمجلس واستكماله، بما يشمل الأعضاء المنتخبين والمعينين من كافة المحافظات باستثناء الجزء الأكبر من محافظة السويداء الذي يسيطر عليه الحرس الوطني في السويداء التابع للشيخ حكمت الهجري المناوئ للحكومة السورية. 

تشكيل مجلس الشعب بدأ بمرسوم المصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب في آب/ أغسطس 2025 [4] ، ثم تشكيل اللجنة العليا لانتخابات المجلس واختيار اللجان الفرعية وتشكيل الدوائر الانتخابية وتنفيذ الانتخابات ثم النظر في الطعون وإعلان النتائج، وجرى ذلك في عموم المحافظات ثم في رأس العين وتل أبيض ثم في باقي محافظتَي الرقة والحسكة، الأمر الذي استغرق أشهراً عديدة شكلت انطباعاً عن تأخُّر تشكيل المجلس لأسباب موضوعية أو تأخير تشكيله من الحكومة السورية، بما يثير التساؤلات عن آثار ذلك وتداعياته على نجاح المرحلة الانتقالية في البلاد [5]

أولاً: دوافع تأخير تشكيل المجلس وأسبابه 

لا توجد حتى الآن تصريحات صريحة ومباشرة من المسؤولين الحكوميين تفسّر أسباب تأخر تشكيل المجلس وانعقاد جلسته الأولى، غير أن استمرار التأخير يوحي بوجود صعوبات تتعلق باستكمال التفاهمات السياسية والترتيبات الانتخابية اللازمة. كما أن عدم قدرة الحكومة على استكمال الانتخابات يشير إلى تحديات داخلية وخارجية ما تزال تؤثر في هذا المسار. ويمكن تلخيص أبرز الدوافع والأسباب بما يلي: 

1.  إتمام الانتخابات في المحافظات الشرقية: 

وضعت الحكومة السورية أولوية لإجراء انتخابات مجلس الشعب في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مقابل تأجيلها في المحافظات الشرقية وفي السويداء، لاعتبارات أمنية وسياسية، إذ تخضع تلك المناطق لسلطات أمر واقع لا تثق دمشق بقدرتها على الإشراف على العملية الانتخابية. وفي الوقت ذاته، تحرص الحكومة على الحفاظ على حصر الشرعية الدستورية والقانونية للعملية الانتخابية، باعتبارها من الملفات التي لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات فيها لصالح أطراف محلية أخرى. 

أظهرت قسد موقفاً حاداً من الانتخابات التي استثنت مناطق سيطرتها، إذ شكّل إجراء الانتخابات في مناطق الحكومة وتأجيلها في المحافظات الشرقية ضغطاً سياسياً إضافياً عليها، لا سيما مع ما بدا أنه قبول دولي وإقليمي بالمقاربة التي تتبناها الحكومة السورية [6] . ومع ذلك بقي موقف قسد أقل تشدداً مقارنة بموقف الحرس الوطني في السويداء. 

سعت الحكومة السورية إلى منح الانتخابات شرعية أوسع من خلال توسيع المشاركة الشعبية وإجرائها في أكبر عدد ممكن من المحافظات، إلى جانب تقليل قدرة القوى المحلية الأخرى على التشكيك بمخرجات العملية الانتخابية داخلياً وخارجياً. لذلك، فضّلت دمشق تأجيل تشكيل مجلس الشعب، مقابل ضمان مشاركة المحافظات الشرقية، وتخفيف حدة موقف قسد من الانتخابات، مع إبقاء الحرس الوطني في السويداء الطرف المحلي الوحيد الذي يتبنى موقفاً مناوئاً للعملية الانتخابية. 

2.  تشكيل الثلث المعين من رئيس الجمهورية: 

أظهرت نتائج الانتخابات التي أُجريت في عموم المحافظات السورية مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2025 فجوات كبيرة ناتجة عن أخطاء في تصميم العملية الانتخابية، إذ كشفت عن وجود خلل في تمثيل النساء، وفي التمثيل العادل للمكونات الدينية والطائفية والإثنية. ويُنتظر من الثلث الثالث (70 من أصل 210 أعضاء)، الذي يسمّي رئيس الجمهورية أعضاءه، أن يساهم في إعادة التوازن النسبي إلى تركيبة المجلس. 

إلى جانب الحاجة إلى معالجة خلل التمثيل، تواجه الحكومة أولويات أخرى في اختيار أعضاء الثلث الثالث، ترتبط بضمان وجود كتلة منسجمة مع توجهاتها السياسية ورؤيتها للمرحلة المقبلة. وتزداد أهمية ذلك بالنظر إلى الدور المحوري الذي سيؤديه مجلس الشعب في رسم ملامح النظام السياسي السوري الجديد، والمشاركة في صياغة الدستور، وتعديل القوانين والبنية الإدارية والسياسية للدولة. 

يبدو أن نتائج الانتخابات دفعت السلطة التنفيذية إلى تأجيل تشكيل المجلس حتى اتضاح نتائج الانتخابات في المحافظات الشرقية، بهدف اختيار أعضاء الثلث الثالث وفق مقاربة أكثر دقة وواقعية، بما يضمن فاعلية مجلس الشعب وانسجامه مع التوجهات العامة لباقي السلطات، أي السلطتين التنفيذية والقضائية. 

3.  تحديات تواجه السلطة التنفيذية: 

تواجه السلطة التنفيذية تحديات ترتبط بقدرتها على ضمان درجة أكبر من الانسجام بين مؤسسات المرحلة الانتقالية، خاصة أن مجلس الشعب سيكون معنياً بإقرار التشريعات وصياغة البنية القانونية والسياسية للمرحلة المقبلة. وهو ما يُشير إلى سعي السلطة التنفيذية لتشكيل مجلس أكثر انسجاماً مع توجهاتها العامة، في ظل التغييرات الواسعة التي تقودها على مستوى مؤسسات الدولة ورموزها السيادية، بما في ذلك تغيير الهُوِيّة البصرية، واستبدال العملة، وتوسيع الهيئات واللجان والصناديق المرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية. 

حدد الإعلان الدستوري الصادر عن رئاسة الجمهورية بينما حصر إقرارها بمجلس الشعب، الأمر الذي يترك تساؤلات حول شرعية [7] المراسيم الرئاسية أو القرارات الحكومية التي كانت تحتاج إلى إقرار مجلس الشعب، وهل يكفي لكونها شرعية الضرورة التي اقتضت سنها وإقرارها، وما تتمتع به السلطة التنفيذية من النيابة عن السلطة التشريعية في ذلك؛ لعدم وجود الأخيرة؟ 

وقد أدّى غياب مجلس الشعب خلال المرحلة الماضية إلى بروز إشكاليات تتعلّق بمدى شرعية بعض المراسيم والقرارات التي أصدرتها السلطة التنفيذية، لا سيما تلك التي تدخل ضمن اختصاصات يُفترض أن تُحال إلى السلطة التشريعية، رغم أن الإعلان الدستوري حدّد صلاحيات مجلس الشعب في إقرار القوانين، وحدود دور السلطة التنفيذية في اقتراحها أو الاعتراض عليه ا [8]

بشكل عام، منح تأخّر تشكيل مجلس الشعب السلطة التنفيذية هامشاً أوسع للمضي في إصدار التشريعات والقرارات المرتبطة بالمرحلة الانتقالية، في ظل غياب السلطة التشريعية وما يرافقه ذلك من تقليص لمسارات النقاش والتداول البرلماني. وربما كانت بعض هذه القرارات ستواجه نقاشات أوسع أو مسارات أكثر تعقيداً في حال وجود مجلس شعب مكتمل الصلاحيات. 

ولم يقتصر الهامش الذي كسبته السلطة التنفيذية على البُعد القانوني والتشريعي، حيث شمل أيضاً البُعد السياسي، لا سيما في الملفات التفاوضية الحسّاسة، مثل مسار المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، والذي كانت الحكومة السورية تأمل أن يفضي إلى تفاهمات تتعلق بوقف إطلاق النار أو الترتيبات الأمنية؛ حيث امتلكت السلطة التنفيذية في ظل غياب السلطة التشريعية هامشاً أوسع للحركة واتخاذ القرار بعيداً عن التعقيدات الإجرائية أو النقاشات السياسية الداخلية، وهو ما قد ينطبق أيضاً على ملفات خارجية أخرى، مثل التفاهمات الأمنية أو الاقتصادية مع لبنان. 

ثانياً: آثار تأخير تشكيل المجلس وعواقبه 

قد يكون تأخر تشكيل مجلس الشعب في سوريا نتيجة طبيعية لظروف داخلية وخارجية، وفي الوقت ذاته أتاح هذا التأخير هامشاً استفادت منه السلطة التنفيذية، بصرف النظر عمّا إذا كان ذلك يُشكّل بالفعل أحد دوافع التأخير وأسبابه. 

في المقابل، أثار استمرار غياب السلطة التشريعية جدلاً واسعاً، خاصة مع تأخر استكمال تشكيل مجلس الشعب رغم صدور مرسوم إحداثه، وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات، وإجراء العملية الانتخابية. وهو ما يفتح المجال أمام نقاش آثار هذا التأخير وتداعياته على عدة مستويات، أبرزها: 

1.  على المستوى القانوني: 

أدّى تأخر تشكيل مجلس الشعب إلى إبطاء مراجعة القوانين والتشريعات الموروثة من فترة نظام الأسد، والتي ما تزال معظم مؤسسات الدولة تعمل بموجبها، رغم عدم انسجام جزء كبير منها مع متطلبات المرحلة الانتقالية والتحولات السياسية والإدارية اللازمة في سوريا. وفي المقابل، اضطرت السلطة التنفيذية إلى إصدار تشريعات وقرارات جديدة أو استبدال أجزاء من المنظومة التشريعية السابقة، مما أفرز مشكلتين رئيسيتين، هما: 

تحوّلت السلطة التنفيذية عملياً إلى الجهة التي تتولى التشريع والتنفيذ في آنٍ معاً، مما أضعف مبدأ الفصل بين السلطات، وقد يترك آثاراً على هذا المبدأ حتى بعد استكمال تشكيل مجلس الشعب. كما جعل ذلك دراسة القوانين والقرارات أقرب إلى مقاربة أحادية تعبّر عن أولويات السلطة التنفيذية، في ظل غياب النقاشات البرلمانية التي يُفترض أن تمثل مصالح المجتمع واتجاهاته المختلفة. 

غياب الرؤية التشريعية المتكاملة، في ظل إصدار الجهات الحكومية المختلفة تشريعات وقرارات مرتبطة باحتياجاتها القطاعية، دون وجود سلطة تشريعية تتولى مراجعة هذه التشريعات ضمن إطار موحّد ينسجم مع السياسات والتوجهات العامة للدولة، فضلاً عن الأعباء التي ستقع على عاتق مجلس الشعب لاحقاً في مراجعة التشريعات التي أقرّتها السلطة التنفيذية خلال المرحلة السابقة وكيفية التعامل معها. 

بشكل عام، قد يترك تأخر تشكيل مجلس الشعب آثاراً قانونية ومؤسساتية مرتبطة بتوسّع دور السلطة التنفيذية خلال فترة غياب السلطة التشريعية، وما قد يرافق ذلك من تحديات تتعلق بمراجعة التشريعات وتنظيم العلاقة بين السلطات. كما يمكن أن ينعكس ذلك لاحقاً على مستوى الاستقرار المؤسسي والاجتماعي خلال المرحلة الانتقالية. 

2.  على المستوى الاقتصادي: 

انعكس تأخر تشكيل مجلس الشعب بصورة واضحة على الجانب الاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بمراجعة التشريعات الاقتصادية الموروثة عن فترة نظام الأسد وتطوير البيئة القانونية اللازمة لتعافي القطاعات المختلفة. ورغم إصدار رئاسة الجمهورية المرسوم رقم 114 لعام 2025 الخاص بقانون الاستثمار الجديد [9] ، فإن تدفق الاستثمارات بقي مرتبطاً بعوامل أخرى، مثل رفع العقوبات، وتوفر البنية التحتية المناسبة، وصعوبات التمويل المصرفي، فضلاً عن أن استمرار غياب السلطة التشريعية يساهم في إضعاف الضمانات القانونية المرتبطة بالاستثمار والسياسات الاقتصادية طويلة الأمد [10]

إنّ الضمانات القانونية التي يحتاجها تدفق الاستثمارات إلى سوريا ترتبط أيضاً بالجهة التي أقرّت القوانين، وباستقرارها التشريعي على المدى الطويل، وهو ما قد يفسّر جانباً من تردد بعض المستثمرين رغم صدور قوانين اقتصادية واستثمارية جديدة. ويمكن فهم ذلك من خلال عدة اعتبارات، أبرزها: 

إنّ إصدار القوانين من قبل السلطة التنفيذية وحدها قد يثير مخاوف تتعلق بإمكانية تعديل هذه القوانين أو تقييدها أو إلغائها من قِبل الجهة ذاتها مستقبلاً، في ظل احتمال وجود مصالح مباشرة أو اعتبارات حكومية مرتبطة بها. 

إنّ تولّي السلطة التنفيذية مهام التشريع يُنظر إليه بوصفه إجراءً استثنائياً فرضه غياب السلطة التشريعية، مما قد يدفع بعض المستثمرين إلى توقع إعادة النظر بهذه القوانين أو تعديلها بعد تشكيل مجلس الشعب وبدء مراجعته للتشريعات الصادرة خلال المرحلة السابقة. 

عموماً، ساهم غياب السلطة التشريعية في تعزيز الانطباع بعدم اكتمال الاستقرار المؤسسي والسياسي في سوريا، ليس فقط على مستوى التشريع ومساءلة السلطة التنفيذية [11] ، بل أيضاً على مستوى استقرار البيئة اللازمة للاستثمار. وبالتالي كان تأخر تشكيل مجلس الشعب أحد العوامل المحتملة التي ساهمت في تردد بعض المستثمرين ومراقبة مسار المرحلة الانتقالية، قبل الانتقال من التفاهمات والوعود الاستثمارية إلى تنفيذ مشاريع فعلية على أرض الواقع. 

3.  على مستوى الثقة والشرعية: 

إن الثقة باستقرار مؤسسات الحكم في سوريا خلال المرحلة الانتقالية لن تكتمل إلا مع تشكيل مجلس الشعب وعقد جلسته الأولى، باعتبارها خطوة مرتبطة باكتمال البنية الدستورية للسلطات في البلاد، والانتقال إلى مرحلة أكثر توازناً على مستوى توزيع الصلاحيات بين السلطات. 

ورغم أنّ استكمال العملية الانتخابية في المحافظات الشرقية ساهم في تعزيز الثقة بالسلطة التنفيذية فإن تأخّر تشكيل المجلس ترك أثراً على مستوى الثقة الداخلية والخارجية باكتمال السلطات الثلاث الأساسية، في ظل استمرار غياب السلطة التشريعية لأكثر من عام ونصف. 

إنّ تعزيز الثقة باستقرار مؤسسات الحكم خلال المرحلة الانتقالية يتطلب الانتقال إلى بناء سياسات وتشريعات أكثر استقراراً وتنظيماً. وقد ساهم استمرار غياب السلطة التشريعية في إضعاف الثقة الداخلية بقدرة السلطة التنفيذية على معالجة الأزمات المستعصية بحلول مستدامة، وأثار مخاوف تتعلق باتساع دور السلطة التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية، كما ترك كثيراً من القوانين والقرارات الصادرة خلال الفترة الماضية دون غطاء تشريعي مكتمل، وأبرز الحاجة إلى دور مجلس الشعب في إقرار قوانين ترتبط باستقرار سوريا والسلم الأهلي وإنجاح مرحلة الانتقال السياسي، وفي مقدمتها قانون العدالة الانتقالية وقانون الأحزاب السياسية [12]

أخيراً إنّ تعزيز الثقة باستقرار مؤسسات الحكم يُساهم أيضاً في دعم قدرة السلطة التنفيذية على إعادة تموضع سوريا على المستويين الدولي والإقليمي، كونه يجعل التفاهمات مع الفاعلين الخارجيين قائمة على قدر أكبر من الاستقرار المؤسسي. كما قد يساهم ذلك في تسهيل انفتاح البرلمانات والمؤسسات السياسية في الدول الأخرى على سوريا خلال المرحلة المقبلة. 

خلاصة 

يُعَدّ تأخير تشكيل مجلس الشعب في سوريا مساراً سياسياً ارتبط، وفق مقاربة الحكومة السورية، باعتبارات تراها مبرَّرة، رغم أنها لم تُقرّ بوجود أزمة ناجمة عن هذا التأخير، إنّما قدّمت الأمر بوصفه إرجاءً يهدف إلى استكمال العملية الانتخابية في محافظتَي الرقة والحسكة بصورة أوسع. 

ويُعتقد أن هذا التأخير ارتبط بجملة من الأسباب والدوافع المتصلة بتوازنات داخلية وخارجية معقدة، أبرزها توسيع شرعية العملية الانتخابية عبر إشراك قسد بدلاً من بقائها في موقع المناوئ لها، فضلاً عن توسيع النطاق الجغرافي للانتخابات ليشمل معظم المناطق السورية. وكذلك حاجة السلطة التنفيذية إلى ترتيب الثلث الذي يعيّنه رئيس الجمهورية، بما يساهم في معالجة فجوات التمثيل السياسي والاجتماعي، وربما تحقيق درجة من الانسجام داخل المجلس. 

من جانب آخر، ساهم تأخير مجلس الشعب في إيجاد هامش أوسع أمام السلطة التنفيذية لسنّ تشريعات كانت بحاجة إلى تمريرها بسهولة ومرونة، رغم أن جزءاً منها يدخل ضِمن اختصاصات السلطة التشريعية، مما دفع السلطة التنفيذية إلى الاضطلاع بهذا الدور بصورة مؤقتة في ظل عدم اكتمال تشكيل مجلس الشعب. 

ربما كانت بعض أسباب التأخير واقعية في سياق المرحلة الانتقالية، غير أن المكاسب التي حققتها السلطة التنفيذية من حيث سهولة إصدار القوانين ومرونة الحركة السياسية داخلياً وخارجياً، جاءت أيضاً مقابل آثار وتداعيات تتعلق بالثقة والاستقرار المؤسسي والشرعية التشريعية، وهي تحديات تبدو السلطة التنفيذية معنية بمعالجتها عَبْر استكمال تشكيل مجلس الشعب وتفعيل دوره في دعم الاستقرار السياسي وتعافي الاقتصاد وتعزيز الثقة الداخلية والخارجية. 

في المحصِّلة، منح تأخير تشكيل مجلس الشعب مرونة مؤقتة للسلطة التنفيذية في إدارة عدد من الملفات، لكنه أظهر الحاجة المُلِحّة إلى تفعيل السلطة التشريعية، بما يدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال المرحلة الانتقالية. 

 


 

[1] النتائج النهائية لانتخاب أعضاء مجلس الشعب في دوائر الانتخابات المقررة في المحافظات السورية، الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، 01/11/2025.   الرابط

[2] اللجنة العليا للانتخابات للإخبارية: تأجيل الانتخابات في ثلاث محافظات سورية بسبب الظروف الأمنية، موقع قناة الإخبارية السورية، 23/08/2025.   الرابط . 

[3] هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟ صحيفة الشرق الأوسط، 23/04/2026.   الرابط . 

[4]  انظر: الرئيس الشرع يُصدر المرسوم 143 الخاص بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب، الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، 20/08/2025.   الرابط . 

[5]  أحمد زكريا، تأخر انعقاد مجلس الشعب وقانون الأحزاب يعمّق التساؤلات حول المرحلة الانتقالية، موقع ألترا سوريا، 23/04/2026.   الرابط . 

[6]  انظر: لماذا أجّلت الحكومة السورية انتخابات مجلس الشعب في الحسكة والرقة والسويداء؟ مركز جسور للدراسات، 27/08/2025.   الرابط . 

[7]  من جانب آخر تبرز أهمية النقاش القانوني ضِمن مبدأ "حدود الاختصاص المؤقت"، وهذا قد يشمل تشريعات مجلس الشعب بما أنه مجلس المرحلة الانتقالية، وتم تشكيله وفق إعلانها الدستوري المؤقت، لكنه من جانب آخر فإنه يطال من باب أولى القوانين التي أقرتها السلطة التنفيذية في مرحلة غياب السلطة التشريعية، انظر: دعوات إلى الشفافية بعقود استثمار المرافق العامة في سوريا، صفحة "الشرق للأخبار – سوريا" على موقع فيسبوك، 19/05/2026.   الرابط

[8] الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، 13/03/2026.   الرابط . 

[9] المرسوم رقم 114 لعام 2025، صحيفة الثورة السورية، 24/06/2025.   الرابط

[10]  انظر: نور ملحم، سوريا: هل تكفي الحوافز المغرية في قانون الاستثمار لجذب رؤوس الأموال؟ صحيفة العربي الجديد، 17/12/2025.   الرابط

[11]  ما يزال هناك غموض في دور مجلس الشعب في مراقبة السلطة التنفيذية ومساءلتها، انظر: دور مجلس الشعب الجديد في سوريا، مركز جسور للدراسات، 21/12/2025.   الرابط . 

[12] المرجع السابق. 


 

الباحثون