القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا
Şub 17, 2026 322

القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا

Font Size

تمهيد     

يشهد الوجود العسكري الأمريكي في سوريا تحوُّلاً كبيراً نحو الانسحاب التدريجي، حيث أكملت القوات الأمريكية في 11 شباط/ فبراير 2026 انسحابها من قاعدة التنف ومنطقة العمليات 55، وهي من أهم القواعد الإستراتيجية الأمريكية حيث تقع ضمن مثلث حدودي في الأراضي السورية يطل على كل من العراق والأردن.     

سلّمت قوات التحالف مواقعها في قاعدة التنف إلى الجيش السوري ضمن تنسيق عملياتي أتاحه انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وقامت القوات الأمريكية بإخلاء قواعدها وتسليمها إلى وزارة الدفاع السورية في محافظة دير الزور بشكل كامل، وكذلك قاعدة الشدادي جنوب محافظة الحسكة، ونقلت المعدات اللوجستية والعسكرية إلى قواعد التحالف في العراق والأردن.     

إخلاء القواعد الأمريكية وانسحاب القوات منها هو جزء من انتقال مدروس ومخطط له، يهدف إلى تقليص وجودها العسكري الأمريكي في سوريا خصوصاً، وفي المنطقة بشكل عام، وإن كان هذا الانسحاب مشروطاً بالظروف الميدانية؛ فقد وجدت الإدارة الأمريكية أن الفرصة باتت مواتية لذلك مع سيطرة الحكومة السورية على جزء كبير من المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهذا التوجّه ليس جديداً؛ حيث بدأه الرئيس دونالد ترامب نهاية عام 2019 عندما أمر بإخلاء القواعد الأمريكية شمال شرقي سوريا، مما مهّد لتنفيذ عملية نبع السلام من قبل الجيش التركي والجيش الوطني السوري آنذاك.     

ومع هذه التطورات المتسارعة ترسم الخريطة السورية تموضعاً جديداً للقوات الأمريكية في سوريا نحو الانسحاب الواسع والاكتفاء بقواعد رئيسية أقصى شمال شرق البلاد.     

أولاً: توزُّع القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا     

كان عدد القواعد والنقاط العسكرية الأمريكية منتصف عام 2024 قد بلغ ما يقارب 31 قاعدة ونقطة عسكرية [ 1 ] ، وقد بدأت القوات الأمريكية بالانسحاب من قواعدها ونقاطها خلال عام 2025، غير أن التغيرات الميدانية التي شهدها كانون الثاني/ يناير 2026 أعادت رسم الخريطة منتصف شباط/ فبراير 2026 ليصبح الوجود العسكري الأمريكي في سوريا مقتصراً على 3 قواعد عسكرية رئيسية فقط على الشكل التالي:     

1.   القواعد الأمريكية النشطة:     

تُظهر الخريطة انسحاب القوات الأمريكية من مختلف قواعدها ونقاطها العسكرية، مقابل استمرار تموضعها عسكرياً في 3 قواعد عسكرية هي:     

-   قاعدة قسرك: في محافظة الحسكة بين تل تمر وتل بيدر جنوب الطريق الدولي M4.     

-   قاعدة رميلان: في محافظة الحسكة ضمن مطار أبو حجر الزراعي جنوب مدينة الرميلان.     

-   قاعدة هيمو: في محافظة الحسكة عند مدخل مدينة القامشلي، ويضم سجن عنبارة.     

2.   القواعد الأمريكية غير النشطة (تم سحبها وتفكيكها):     

سحبت القوات الأمريكية 28 قاعدة ونقطة عسكرية أمريكية خلال عام 2025 ومطلع عام 2026، منها 13 قاعدة ونقطة ضمن مناطق سيطرة قسد شمال الحسكة ومنطقة عين العرب (كوباني) شمال شرق حلب. بينما انسحبت من 15 قاعدة ونقطة عسكرية في مناطق سيطرة الحكومة السورية (ضمنها المناطق التي سيطرت عليها الحكومة السورية مطلع 2026)، وهي قاعدتان في منطقة التنف والزكف على الحدود الإدارية لمحافظتَيْ حمص وريف دمشق جنوب البلاد، و3 قواعد عسكرية في الحسكة، و9 قواعد إضافة لنقطة عسكرية في محافظة دير الزور.     

خريطة 2026  القوات الامريكية 11-02.jpg
 

ثانياً: طبيعة المهام العسكرية الأمريكية في سوريا     

دخلت القوات الأمريكية إلى سوريا في النصف الثاني من عام 2015 تحت مظلة "التحالف الدولي" الذي تأسس في أيلول/ سبتمبر 2014، تحت شعار "إضعاف تنظيم داعش وفي النهاية إلحاق الهزيمة به" [ 2 ] . وقد حصرت الولايات المتحدة مهامها العسكرية في سوريا بمكافحة تنظيم داعش وتحت مظلة التحالف الدولي الذي تقوده، وأسست قواعدها العسكرية في البلاد بما يتناسب مع هذه المهام.     

بقيت القوات الأمريكية ملتزمة بمهام مكافحة الإرهاب ضمن قواعدها ونقاطها العسكرية وفي الدوريات الخاصة أو المشتركة، وفي المناورات العسكرية وعمليات القصف الجوي والمساندة البرية أو الجوية للشركاء المحليين خلال عملياتهم في مكافحة الإرهاب.     

لكن، في ذات الوقت فإن الوجود الأمريكي العسكري في سوريا كان جزءاً من حفظ قواعد الاشتباك بين الفاعلين المحليين وحتى بالنسبة للفاعلين الخارجيين، بما يتوافق مع المصالح الأمريكية على مستوى المنطقة وليس فقط سوريا، ولطالما حافظ هذا التدخل الأمريكي على حدود التدخل التركي والروسي في سوريا، خاصة في مناطق شرق الفرات، وعلى هذا الأساس تم توقيع اتفاق بين وزيرَي الخارجية سيرغي لافروف وجون كيري في أيلول/ سبتمبر 2016.     

لقد ساعد الوجود العسكري الأمريكي في سوريا برسم التوازُنات الداخلية وفقاً لمصالح الولايات المتحدة، مثلاً في مواجهة قسد لانتفاضة عشائرية بقيادة الشيخ إبراهيم الهفل عام 2023، والتي اعتبرت الولايات المتحدة أن إيران ونظام الأسد هما المحرك الرئيسي لها، ثم في الضغط على قسد مطلع عام 2026 للانسحاب من الرقة ودير الزور لصالح تقدُّم القوات الحكومية.     

ثالثاً: الانسحاب الأمريكي العسكري من سوريا     

كان الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا يتردّد بشكل متكرر بعد انهيار السيطرة الفعلية لتنظيم داعش وانحسار مساحات سيطرته ونفوذه جغرافياً، خاصة بعد سلسلة المعارك التي دعمتها قوات التحالف ضد التنظيم وانتهت بمعركة الباغوز في شباط/ فبراير 2019.     

عملياً، كان الانسحاب الأبرز للقوات الأمريكية من سوريا في الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتنسيق بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وعلى إثرها انسحبت القوات الأمريكية من رأس العين وتل أبيض تمهيداً للعملية العسكرية التركية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد).     

في الولاية الثانية للرئيس الأمريكي ترامب بقي موضوع الانسحاب من سوريا حاضراً في الإستراتيجية الأمريكية الخارجية، وقد وجد سبيله للتحقق بسقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 وتسلُّم سلطة جديدة منفتحة بشكل عملي على الشراكة في مكافحة الإرهاب، الأمر الذي تجسد من خلال انضمام الحكومة السورية للتحالف الدولي، وبذلك باتت الإدارة الأمريكية تتعامل مع الدولة شريكاً في مكافحة الإرهاب وليس مع منظومات ما دون الدولة (قسد).     

يمكن القول: إنَّ الانسحاب الأمريكي من سوريا وجد فرصته الأكبر مع التغيرات الميدانية الواسعة التي شهدتها الخريطة السورية مطلع عام 2026، والتي مكَّنت الحكومة السورية من السيطرة التامة أمنياً وعسكرياً على مناطق سيطرة قسد في مدينة حلب ومنطقة دير حافر، وعلى كامل محافظتَي الرقة ودير الزور، وعلى مساحات واسعة في محافظة الحسكة.     

أخيراً، إنَّ الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا هو مشروع مرتبط على المستوى الدولي والإقليمي برغبة إدارة الرئيس الأمريكي ترامب في تقليل الالتزامات العسكرية الخارجية، وتجنُّب المخاطر بحياة الجنود الأمريكيين، خصوصاً مع ازدياد التوتر الداخلي وحالة الاستقطاب الخارجية في إيران.     

رابعاً: مستقبل الدور الأمريكي العسكري في سوريا     

يُتوقع أن يبقى الوجود الرئيسي لقوات التحالف الدولي بقيادة القوات الأمريكية في سوريا ضِمن قاعدة الرميلان وقاعدة قسرك أقصى شمال شرق البلاد، مع خفض ملحوظ في عدد الجنود الأمريكيين ضِمن القاعدتين لتتحول كل منهما إلى مركز إشراف وعمليات، مع استمرار مهام محدودة في مكافحة تنظيم داعش، في حين يتوقع أن تكون أولوية مهام القاعدتين لمراقبة تنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقسد، إلى جانب مراقبة الجهود المحلية وتقييمها حيال مكافحة الإرهاب في سوريا.     

خُلاصة     

استطاعت الإدارة الأمريكية تنفيذ إستراتيجيتها بالانسحاب العسكري من سوريا بناءً على ترتيبات سياسية وميدانية أوكلت فيها مهام مكافحة الإرهاب إلى الحكومة السورية التي سيطرت عملياً على معظم جغرافيا البلاد بعد أن دخلت رسمياً في التحالف الدولي.     

كانت بداية الانسحاب العسكري الأمريكي فعلياً خلال عام 2025، لكن التغيرات السريعة ميدانياً التي أذنت بها معارك كانون الثاني/ يناير 2026 جعلت المواقع العسكرية الأمريكية في سوريا تنحسر إلى 3 قواعد فقط أقصى شمال شرق البلاد، لتظهر الخريطة الجديدة انسحاب القوات الأمريكية وتفكيكها 28 قاعدة ونقطة عسكرية كانت نشطة منتصف عام 2024.     

كان متوقَّعاً الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا بعد سقوط نظام الأسد نهابة 2024، كما أنه من المتوقع أن تحافظ الولايات المتحدة على قواعد عملياتية محدودة العدد ومختلفة المهام في سوريا، فهي لم تَعُدْ بحاجة إلى بقاء الكثير من الجنود والمجموعات القتالية، وبالتالي ستتحول القواعد المتبقية شمال شرق سوريا إلى قواعد تنسيق وإشراف ومراقبة وإدارة عمليات.     


 


 

[1]   خريطة المواقع العسكرية للقوى الخارجية في سورية منتصف 2024، مركز جسور للدراسات، 02/07/2024.       الرابط .     

[2]   الموقع الرسمي للتحالف الدولي على شبكة الإنترنت،       الرابط .     


 

Araştırmacılar