السوريون الكرد بين مرسوميْنِ رئاسييْنِ
Jan 21, 2026 256

السوريون الكرد بين مرسوميْنِ رئاسييْنِ

Font Size

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 كانون الثاني/ يناير 2026 المرسوم رقم 13 والمتعلق بحقوق المواطنين السوريين الكرد، وهذا المرسوم يختلف بشكل جذري عن المرسوم رقم 39 الذي أصدره رئيس النظام السابق بشار الأسد في 11 نيسان/ إبريل عام 2011، ويتمثّل هذا الاختلاف في دوافع إصدار المرسومين، وفي حجم الحقوق التي جاءت في المرسوم الجديد ومعانيها.  

من حيث الدافع أصدر الأسد مرسومه بهدف ثني الكرد عن المشاركة في الثورة التي كانت قد اندلعت ضده قبل قُرابة شهر في 15 آذار/ مارس 2011، وكان هذا المرسوم جزءاً من خطة أوسع للنظام حاول فيها تصوير الثورة أنها خطر من الأغلبية العربية السنّية يتهدد باقي المكونات الدينية والمذهبية والعِرْقية من مسيحيين ودروز وعلويين وكرد وغيرهم، أي بمعنى فصلهم وعزلهم عن هذه الثورة التي رفعت مطالب وطنية لجميع مكونات الشعب السوري. بالمقابل فإن المرسوم الذي أصدره الرئيس الشرع -على العكس من ذلك- يهدف إلى إدماج المواطنين الكرد في الحالة الوطنية السورية، ويعدّهم جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، ويعدّ هُوِيّتهم الثقافية واللغوية جزءاً لا يتجزأ من الهُوِيّة الوطنية السورية والتي أشار إلى أنها في أصلها هُوِيّة متعددة عِرْقياً ودينياً ومذهبياً لكنها موحَّدة سورياً.  

من حيث الحقوق؛ خلا مرسوم الأسد من منح أيّ حقوق للكرد سوى حق الجنسية التي كان نظام البعث هو الذي حرمهم منها على مدى عقود حكمه، وحصول هؤلاء المحرومين من الجنسية عليها كان سيجعلهم فقط في مصافّ الكرد والأغلبية الساحقة من السوريين الذين يحملون الجنسية السورية لكنهم محرومون فعلياً من كثير من الحقوق السياسية والدستورية والدينية والاجتماعية والثقافية بسبب السياسات الجائرة التي كان يمارسها البعث ضدهم. بالمقابل يَعُدّ المرسوم الجديد اللغة الكردية لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يُشكّل الكرد فيها نسبةً ملحوظة من السكان، وألغى العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافّة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة.  

معاني المرسوم الجديد تجاوزت كثيراً الحقوق التي يطالب بها حين اعتبر عيد النيروز في 21 آذار/ مارس من كل عام عيداً وطنياً، والنيروز مع معانيه الثقافية والاجتماعية عند الشعوب التي تحتفل به، فإنه عند الكرد يحمل طابعاً قومياً يُعبّر عن هُوِيّتهم العِرْقية، وتضمين المرسوم فقرة تنص على معاقبة "كل مَن يُحرّض على الفتنة القومية" هو إشارة إلى اعتراف الحكومة السورية بأن البلاد "متعددة القوميات" وهو واحد من أكبر المطالب السياسية والدستورية التي يطالب بها الكرد في سوريا.  

تجاوز المرسوم أيضاً قضية التزام مؤسسات الدولة الإعلامية تبنّي خطاب وطني جامع إلى التزام مؤسسات الدولة التربوية بذلك، مما يعني إدخال هذه القضية في المناهج التعليمية على جميع المستويات، وهو ما سيكون أحد أكبر الخُطوات في إرساء السِّلْم الأهلي والمجتمعي، وفيما اقتصر الإعلان الدستوري -الصادر في 13 آذار/ مارس 2025 أي بعد 3 أيام فقط من اتفاق 10 آذار/ مارس- على التزام الدولة بمنع "أشكال الفتنة والانقسام وإثارة النُّعَرات والتحريض على العنف" فقد نص المرسوم الجديد على معاقبة " كل مَن يُحرّض على الفتنة القومية وَفْق القوانين النافذة" مما يشير إلى عزم الدولة على منع التحريض ضدّ القومية الكردية خصوصاً، وذلك في ظلّ توقُّعات الدولة تصعيد حزب العمال الكردستاني (PKK) والمجموعات التابعة له في سوريا مثل قوات سوريا الديمقراطية من خطابها العنصري ضدّ العرب واتهامهم بانتهاك حقوق السوريين الكرد والدعوة إلى الاستنفار والتعبئة العامة لقتال الدولة السورية، ورغم ذلك فإن المرسوم يسعى لأن يكون أيّ ردّ فعل ضدّ هذه الدعوات موجهاً إلى (PKK) وقسد، وعدم تحميل السوريين الكرد عموماً المسؤولية عن إثارة هذه النُّعَرات العنصرية.  

مع المرسوم 13 لعام 2026 الذي أصدره الرئيس الشرع والذي يعكس رؤية وطنية وسياسية جامعة، ومع اقتراب المشروع السياسي للإدارة الذاتية التابع لحزب العمال الكردستاني (PKK) من نهايته، وفشله في إقامة إقليم "روج آفا" أو "كردستان سوريا" كما هو الحال في "كردستان العراق"، فإن الأحزاب السياسية السورية الكردية، والشخصيات الوطنية السورية الكردية أمام لحظة تاريخية فارقة في نقل الحقوق الكردية التي جاءت في الإعلان الدستوري وفي المرسوم الرئاسي، إلى نصوص دستورية في الدستور النهائي للبلاد، والتحول نحو دعوة الكرد جميعاً إلى المشاركة الحقيقية في بناء الدولة السورية الجديدة على أساس المواطنة المتساوية وليس على أساس المُحاصَصة أيّاً كان نوعها.