العدالة الانتقالية في سوريا.. بُطْء الإجراءات يُهدِّد السِّلْم الأهلي
Haz 15, 2026 311

العدالة الانتقالية في سوريا.. بُطْء الإجراءات يُهدِّد السِّلْم الأهلي

Font Size

اندلعت مظاهرات في 14 حزيران/ يونيو 2026 تخلل بعضَها أحداثُ عنفٍ في عدة مناطق سوريَّة، حيث طالب المتظاهرون بالقبض على منتسبين للأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام السابق، ومتهمين بالتورط في جرائم ضدّ السكان المحليين.  

ومع أن موجة المظاهرات استمرت يوماً واحداً فقط إلَّا أنَّها ذات دلالات مختلفة عن الاحتجاجات التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية، وأولى هذه الدلالات أنَّ المظاهرات خرجت هذه المرَّة في مناطق تُعتبر نظريّاً من المناطق ذات التأييد المرتفع للحكومة السورية الجديدة، كما أن مطالبها ليست مَعاشيّة أو خدمية، بل ذات أبعاد سياسية وأمنية.  

أعطت المظاهرات رسالة واضحة بأنَّ ملفّ العدالة الانتقالية ينطوي على بُعد أمني، ولا يمكن معالجته وَفْق مسارات سياسية واجتماعية عَبْر التفاهم مع أطراف دولية أو وُجهاء محليين، دون اتخاذ إجراءات قانونية وأمنية مُرْضِية لذوي الضحايا؛ لأنَّ البديل عن غياب هذه الإجراءات هو توسُّع حالات الانتقام، كتلك التي حصلت في مظاهرات كفرتخاريم بريف إدلب، وشهدت تصفية منتسب للأجهزة الأمنية في النظام السابق، وما قد يترتب على توسُّع حالات الانتقام من ارتفاع الأخطار على السِّلْم الأهلي في حال تطورت ردود الأفعال لمواجهات عائلية أو عشائرية أو طائفية.  

تشوب المعالجةَ الحكوميةَ لملفّ العدالة الانتقالية حالةُ نقصٍ في الشفافية، فعلى سبيل المثال لا يوجد حتى اللحظة تفسيرات منطقية لذوي الضحايا والمدن المتضررة من سياسات النظام السابق حول أسباب عدم إحالة رموز اقتصادية واجتماعية إلى المحاكمة، رغم مساهمتها سابقاً في دعم النظام السابق مالياً واجتماعياً وأمنياً، على غرار رجل الأعمال محمد حمشو، أو فوَّاز المرسومي، أو نواف البشير، مما خلق انطباعاً لدى الأوساط الشعبية بأن الحكومة لا تعطي أولوية لملفّ العدالة الانتقالية، وأنَّها تُقدِّم الاعتبارات السياسية والاقتصادية على هذا الملفّ.  

من جهة أخرى، يوجد عوامل إضافية تساهم في الاحتقان الشعبي، أهمها عدم تعديل القوانين التي كانت سارية في عهد النظام السابق، والتي يتم الاستناد لها أحياناً في مقاضاة بعض النشطاء عَبْر شخصيات من النظام السابق، فضلاً عن عدم إجراء تطهير كامل للسلطة القضائية من قُضاتها الذين كانوا زمن النظام السابق، وهذه كلها عوامل تعزز من تراجُع الثقة الشعبية بمؤسسات الدولة والدور الحكومي فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية.  

على الرغم من التطوُّرات الأخيرة، وارتفاع منسوب النقد لأداء الحكومة فيما يتعلق بالإجراءات والخطوات المتخذة في ملفّ العدالة الانتقالية، إلا أنَّ الحكومة لا تزال تمتلك زمام المبادرة، ولديها القدرة –إنْ رغبت– على نزع عوامل التوتر الشعبي من خلال إجراءات متتالية وحاسمة تشمل إعادة هيكلة القضاء، وتنفيذ عمليات أمنية مكثفة خاصة في المناطق التي تشهد كثافة وجود عناصر من النظام السابق مثل أحياء حلب الشرقية، ومحافظتَيْ دير الزور والحسكة، بالإضافة إلى تعزيز الشفافية مع الشعب تجاه هذا الملفّ، وعدم ترك الرأي الشعبي عرضة للتلاعب عَبْر تسريبات قد يكون الكثير منها غير صحيح، فضلاً عن حاجة الحكومة إلى زيادة الإقناع بالأداء الحكومي فيما يتعلق بتحقيق العدالة الانتقالية، من خلال رفع مستوى المشاركة الشعبية والمنظمات الحقوقية في هذا المسار.