تقييم السياسة الخارجية بعد عام على تشكيل الحكومة السورية
Mar 16, 2026 208

تقييم السياسة الخارجية بعد عام على تشكيل الحكومة السورية

Font Size

تمهيد  

مع سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 طَوَتْ سوريا صفحة قاتمة من العزلة والعلاقات الدولية السياسية والدبلوماسية المتوترة التي تسببت بوضع سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979، ثم القطيعة معها، وضرب العقوبات واسعة النطاق بسبب ممارسات النظام الوحشية ضد الشعب السوري بعد عام 2011.  

تغيّرت الخارطة السياسية والدبلوماسية السورية بشكل جذري خلال عام 2025 وشهدت دمشق حضوراً دبلوماسيا لافتاً على مستوى الرؤساء، ورؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية وغيرهم من المسؤولين والمبعوثين الدوليين، إضافة إلى الزيارات الخارجية التي تُوّجت بزيارتين تاريخيتين للرئيس أحمد الشرع إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك وإلقاء كلمة فيها، وإلى البيت الأبيض في واشنطن ولقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.  

أولاً: إنجازات السياسة الخارجية في عام  

تحققت إنجازات السياسة الخارجية السورية في ظل الإستراتيجية التي وضعها وزير الخارجية أسعد الشيباني والتي قامت على أُسُس أهمها:  

1. إنهاء العقوبات الدولية، وكان ذلك على رأس أولويات الإستراتيجية؛ حيث اعتبرت أن العقوبات هي أكبر العوائق أمام الاعتراف الكامل بالحكومة السورية، وأمام إعادة العلاقات السياسية والدبلوماسية، وأمام إعادة إعمار البلاد وإرساء الاستقرار. يمكن القول إن هذه الإستراتيجية حققت هدفها هذا بعد رفع العقوبات الأممية بشكل كامل عن الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب ورفع العقوبات الأمريكية والأوروبية بشكل كامل تقريباً أيضاً.  

2. الخروج من سياسة المحور الواحد، التي تموضع فيها نظام الأسد، وكان هذا على صعيدين: الأول ما يسمى محور المقاومة والممانعة الذي قادته إيران وميليشيات حزب الله اللبناني وغيره من الميليشيات الشيعية التابعة لإيران، والثاني محور الوصاية الروسية الذي وصل إلى أن كانت فيه روسيا الضامن للنظام أمام المجتمع الدولي إلى أن سقط. وقد حققت الإستراتيجية هدفها مع إخراج إيران ووكلائها من سوريا، والقطيعة الدبلوماسية الكاملة معها، وعلى صعيد روسيا فقد نجحت الإستراتيجية في تصحيح العلاقة معها وضبطها على مستوى الندية في التعامل على أساس السيادة الوطنية، وبهذا أيضاً وضعت سوريا مفهوماً جديداً في سياستها الخارجية قائماً على التوازن والتعددية في العلاقات الدبلوماسية بعد عقود طويلة من العلاقات أحادية المحور.  

3. فكّ العزلة الدولية عن البلاد؛ حيث سارت الإستراتيجية هنا في طريقين: الأول بناء تحالفات عربية تعيد العمق الإستراتيجي للدولة السورية، خصوصاً التحالفات مع الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية وقطر، إضافة إلى المكاسب الاقتصادية المرجوة من هذه التحالفات، فقد كانت رسالة أيضاً إلى إيران في القطيعة معها، والثاني بناء تحالفات غربية بديلة عن التحالف السابق مع روسيا وإيران، وقد حققت الإستراتيجية هنا هدفها بمساعدة سعودية وتركية سهلت لقاء "الشرع" مع "ترامب" الذي فتح الباب على مصراعيه لاندماج سوريا في النظام الإقليمي والنظام الدولي.  

4. تجنُّب التورط في النزاعات الإقليمية والوقوف فيها موقف الحياد، وظهر ذلك جلياً في إعلان موقف الحياد في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الدائرة مع إيران، وفي عدم الانجرار لمساعي حزب الله لتسخين الحدود السورية اللبنانية، واللبنانية الإسرائيلية ومحاولة نشر الفوضى للضغط على إسرائيل لوقف الحرب على إيران، وسبق ذلك أيضاً الالتزام بالموقف العربي لوقف الحرب على غزة دون الانخراط بشكل فعلي فيها، ويمكن القول إن هذه الإستراتيجية حققت هدفها هنا في منع أن تكون سوريا ساحة بالوكالة لأي من الصراعات الإقليمية أو الدولية.  

5. تجنُّب الدخول في حرب مفتوحة مع إسرائيل، رغم الموقف السياسي العدائي الإسرائيلي، والهجمات العسكرية المتكررة، تبنت سوريا سياسة الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل قادها وزير الخارجية أسعد الشيباني لتثبيت اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، والتوصل إلى اتفاق أمني جديد في إطاره.  

6. تلبية متطلبات المجتمع الدولي، باتخاذ خطوات جدية للتوصل إلى حلول نهائية للملفات التي تشغل المجتمع الدولي مثل ملف الأسلحة الكيميائية، وفتح المجال واسعاً للتعاون مع منظمات الأمم المتحدة بشأنه، إضافة للتعاون مع لجان التحقيق الدولية في ملف انتهاكات حقوق الإنسان، والعمل على إغلاق ملف تصنيع وتجارة الكبتاغون، ومحاولة تسهيل عودة اللاجئين السوريين، وكان الانضمام للتحالف الدولي لمكافحة تنظيمَيْ داعش والقاعدة نقلة نوعية في تاريخ سوريا، ورسالة تُؤكّد نهج الحكومة في الاستجابة للمتطلبات الدولية في مكافحة الإرهاب.  

7. توازُن العلاقة مع الأمم المتحدة، رغم التعاون غير المسبوق مع الأمم المتحدة في ملفَّي الأسلحة الكيميائية، وانتهاكات حقوق الإنسان فإن إستراتيجية الخارجية سلكت نهجاً مغايراً مع الأمم المتحدة في ملف الانتقال السياسي وفق القرار 2254 (2015)؛ حيث رأت أنه قد تم تطبيق القرار على أرض الواقع، ولذا ما زالت سوريا تعارض تسمية مبعوث أممي خاص جديد بعد استقالة المبعوث السابق غير بيدرسون، كما تعارض نقل مكتب المبعوث إلى دمشق، ومن بين التوقعات في جلسة مجلس الأمن القادمة التي توافق يوم العيد الرسمي للثورة السورية في 18 آذار/ مارس 2026 أن يطرح السفير الأمريكي توماس براك الذي سيحضر الجلسة لأول مرة منذ تعيينه مسألة إصدار قرار جديد يعترف بخطوات الانتقال السياسي التي جرت في العام المنصرم، وهذا إنْ تم سيكون من أكبر الإنجازات للدبلوماسية السورية في إخراج الملف السياسي من طاولة مجلس الأمن، والتخلص من التجاذُبات الدولية، وتحقيق استعادة السيادة الوطنية.  

8. تفعيل البعثات الدبلوماسية السورية في الخارج، ورفدها بكوادر وفِرَق عمل متكاملة بعد تدريبها في المعهد الدبلوماسي وفي عدد من الدول العربية، وتكليف قائمين بالأعمال ودبلوماسيين وفق الإجراءات المعتمدة لمباشرة مهامهم، وقد قطعت الإستراتيجية خطوات مهمة في هذا الجانب بتعيينها بداية سفيراً دائماً لسوريا في الأمم المتحدة، ثم إرسال مبعوثين لعدد من الدول العربية والغربية المهمة وفق أولويات السياسة الخارجية.  

9. استعادة العضوية في المنظمات الدولية، والمشاركة في المؤتمرات الدولية حيث استعادت سوريا عضويتها في منظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد من أجل المتوسط، وكذلك منظمات أممية مثل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ومجلس حقوق الإنسان، وشاركت في حضور القمم العربية، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن في نيويورك، ومجلس حقوق الإنسان في جنيف، المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، ومؤتمرات الرياض، وباريس حول سوريا، ومؤتمر المانحين في بروكسل، ومؤتمر أنطاليا الدبلوماسي، والمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ومؤتمر ميونيخ للأمن، واجتماعات صندوق النقد الدولي في واشنطن، وتشير هذه الإنجازات إلى حجم النجاح الذي حققته إستراتيجية استعادة المكانة الدولية لسوريا.  

ثانياً: تحدِّيَات تواجه السياسة الخارجية  

رغم النجاحات التي حققتها الدبلوماسية السورية خلال عام على تشكيل الحكومة السورية المؤقتة من فكّ العزلة الدولية وإعادة بناء شبكة العلاقات الإقليمية والدولية، فإن المرحلة المقبلة تضع السياسة الخارجية أمام مجموعة من التحديات المركّبة التي لا تتعلق بعمل وزارة الخارجية وحدها، بل تتقاطع مع أدوار مؤسسات الدولة الأخرى، مما جعل نجاحها مرهوناً بقدرة الدولة على العمل ضمن مقاربة حكومية متكاملة. وهذه التحدّيات هي:  

1. التحدي الأمني:  

هو أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، حيث يشمل قضايا خارجية وأخرى داخلية ذات امتداد خارجي. يأتي الاتفاق مع إسرائيل في مقدمة التحديات الأمنية؛ فرغم الاتفاق على ترتيبات أمنية في باريس بتاريخ 6 كانون الثاني/ يناير 2026 والتي تقتصر على خفض التصعيد وتشكيل خلية اتصال لتبادل المعلومات الاستخباراتية يبقى هناك تباين في مقاربة الطرفين تجاه الإطار الناظم لتلك الترتيبات؛ حيث تميل دمشق إلى تثبيت اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 بوصفه المرجعية القانونية القائمة لتنظيم الوضع الأمني في الجولان، ويدفع إسرائيل للانسحاب من المناطق والنقاط الاثنتي عشرة التي توغلت فيها داخل الأراضي السورية. بالمقابل، تسعى إسرائيل إلى الدفع نحو صياغة اتفاق أمني جديد يتجاوز الإطار التقليدي لاتفاق فض الاشتباك، ويؤسس لترتيبات أمنية مختلفة تتعلق بانتشار القوات وضبط الحدود وآليات المراقبة.  

يضع هذا التباين السياسة الخارجية السورية أمام تحدٍّ كبير؛ إذ يتعين عليها إدارة المسار التفاوضي والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية التي قد تدفع باتجاه إعادة صياغة الترتيبات الأمنية وفق الرؤية الإسرائيلية خصوصاً إن خرجت تل أبيب من الصراع الإقليمي بمكاسب كبيرة سواءً في لبنان أو إيران.  

في هذا السياق، تُؤدي وزارة الخارجية دور إدارة المسار الدبلوماسي والتفاوضي، بينما يبقى نجاح أي صيغة يتم التوصل إليها مرتبطاً بقدرة مؤسسات الدولة السياسية والأمنية والعسكرية على تثبيت الاستقرار الميداني وحماية الحدود وتأمينها، بما يمنح المسار الدبلوماسي المصداقية والقدرة على الاستمرار.  

2. التحدي الاقتصادي:  

يتمثل في الانتقال من مرحلة فك العزلة السياسية إلى مرحلة تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية القادرة على جذب الاستثمارات الدولية والمنح وبرامج إعادة الإعمار. وتؤدي وزارة الخارجية في هذا السياق دوراً محورياً في فتح القنوات السياسية والاقتصادية مع الدول والمؤسسات المالية الدولية، غير أن تحويل هذا الانفتاح إلى تدفقات استثمارية فعلية يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات الاقتصادية في الدولة –وعلى رأسها وزارات الاقتصاد والمالية والاستثمار– على توفير بيئة قانونية ومؤسسية جاذبة للاستثمار، وتعزيز الشفافية المالية، وتطوير الأطر التشريعية والإدارية التي تضمن استقرار السياسات الاقتصادية واستدامتها.  

3. التحدي الإنساني:  

يتمثّل بعودة اللاجئين السوريين، وهي أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسة الخارجية السورية في المرحلة الراهنة، نظراً لارتباطها المباشر بمواقف المجتمع الدولي من دعم عملية الانتقال السياسي وإعادة الإعمار في سوريا. فالكثير من الدول والجهات الدولية باتت تربط توسيع الدعم الاقتصادي والإنساني لسوريا بمدى تحقُّق تقدُّم ملموس في تهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين، وهو ما عبّرت عنه بيانات الاتحاد الأوروبي في مؤتمرات بروكسل الخاصة بسوريا، وهو ما تكرره مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مواقفها الرسمية، كما تشير تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاستقرار المحلي وإعادة الخدمات الأساسية يمثلان شرطاً أساسياً لعودة واسعة النطاق.  

في هذا السياق، تجد السياسة الخارجية السورية نفسها أمام تحدٍ مزدوج: فمن جهة يتعين على وزارة الخارجية إدارة الحوار الدبلوماسي مع الدول المستضيفة والمنظمات الدولية لإقناعها بدعم برامج العودة وعدم ربطها بشروط سياسية معيقة، ومن جهة أخرى يعتمد نجاح هذا المسار الدبلوماسي على قدرة المؤسسات الداخلية في الدولة السورية –لا سيما وزارات الداخلية والإدارة المحلية والشؤون الاجتماعية– على توفير البيئة القانونية والأمنية والخدمية التي تجعل العودة ممكنة ومستدامة، مما يجعل ملف اللاجئين أحد أبرز المجالات التي يتقاطع فيها العمل الدبلوماسي مع السياسات الداخلية للدولة.  

خُلاصة  

وضعت وزارة الخارجية السورية إستراتيجية متكاملة سعت فيها إلى إنهاء العقوبات الدولية الأممية والغربية، والخروج من سياسة المحور الواحد التي تموضع فيها النظام البائد واتباع سياسة تعدُّد المحاور، وفكّ العزلة الدولية عن البلاد، وتجنُّب التورط في النزاعات الإقليمية، وتجنُّب الدخول في حرب مفتوحة مع إسرائيل وتبني خيار المفاوضات المباشرة معها، وتلبية متطلبات المجتمع الدولي في ملفات حسّاسة مثل الأسلحة الكيميائية، ومكافحة الإرهاب، وتصنيع الكبتاجون، وتسهيل عودة اللاجئين، وإقامة توازُن في العلاقة مع الأمم المتحدة بفتح الباب لبعثات التحقيق في الأسلحة الكيميائية، وانتهاكات حقوق الإنسان مقابل نهج يعتمد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية، وتفعيل البعثات الدبلوماسية السورية في الخارج، واستعادة العضوية في المنظمات الدولية، والمشاركة في المؤتمرات الدولية.  

تشير نتائج عام 2025 إلى أن إستراتيجية الخارجية السورية حققت معظم أهدافها، وهي تسعى لتحقيق نجاحات في الدبلوماسية الاقتصادية بجلب حجم أكبر من الأموال والاستثمارات التي تساهم في النهوض بالاقتصاد، وهي مسألة تحتاج تضافر جهود باقي الوزارات وعلى رأسها وزارتَا الدفاع والداخلية، والوزارات الخدمية الأخرى لتأمين الاستقرار الأمني، ولتهيئة البيئة القانونية والتقنية اللازمة لدخول الأموال والاستثمارات. بمعنى أنّ تلك النجاحات المأمولة مرتبطة بقدرة الدولة السورية على بناء تكامل مؤسسي بين السياسة الخارجية والسياسات الداخلية، بما يسمح بتحويل الانفتاح الدولي الذي تحقق خلال عام 2025 إلى مؤشرات على بَدْء استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي مستدام عام 2026.  

 

Araştırmacılar